بعد سفر طويل وبحث دقيق، وصل المسافر إلى مبتغاه. هو يبحث منذ صباه عن الشريعة. سمع أنّها تحتوي حكمة خالصة، فيها يجد معنى لحياته. وصل إلى الباب المؤدّي إلى الشريعة، وإذا حارس واقف على الباب. قال: أيأذن لي سيّدي بالدخول؟ أجاب الحارس: لا، ليس الآن. فاستغرب الرجل وفكّر في قلبه أنّ لكلّ إنسان الحقّ بالوصول إلى الشريعة، لكنّه اكتفى بالسؤال ما إذا كان من الممكن الدخول في وقت آخر. قال الحارس: يجوز! ثمّ أخذ الرجل يسترق النظر من الباب المفتوح من خلف الحارس، فضحك الحارس وقال له: إن أردتَ أن تدخل بالقوّة لا شيء يمنعك أن تحاول. لكنّي أحذّرك: قوّتي ليست بالقليلة، وما أنا إلاّ أصغر الحرّاس، وحتّى أنا لا أستطيع أن أتحمّل مجرّد نظرة من الحارس الثالث من بعدي. فهدأ الرجل، وأعطاه الحارس كرسيًّا صغيرًا قعد عليه، وأخذ يتبادل أطراف الحديث مع الحارس، ومضى اليوم الأوّل. وبعده مضت أيّام. يسأل الرجل الحارس إن كان الإذن قد أتى ويتلقّى جوابًا بالنفي. ومضت شهور وسنين. والرجل يراقب الحارس في كلّ حركاته. أعطاه كلّ ما كان معه ليقنعه بالسماح له بالدخول، والحارس يأخذ كلّ ما يعطيه إيّاه الرجل ثمّ يرفض طلبه قائلاً: أخذتُ ما أعطيتني إيّاه لكيلا تظنّ لاحقًا أنّك وفّرتَ طريقة للدخول فتندم. ومع الوقت نسي الرجل الحرّاس الآخرين وثبت فكره على هذا الّذي أمامه وكأنّه العائق الوحيد دون مبتغاه. وأخذ يلعن حظّه ويلعن عناد الحارس. في البداية كان يقوم بذلك بصوت عالٍ لكنّه شاخ مع الزمن وخفت صوته، ولكنّ أسئلته ما انفكّت كثيرة: هل تعرف متى يأتي الإذن؟ كيف تعرف أنّه أتى؟ وذات يوم بلغ به الوهن أشدّه فسقط عن كرسيّه وارتمى على الأرض. ثمّ أومأ للحارس فاقترب منه. جمع الرجل كلّ قواه وطرح سؤالاً أخيرًا: أعرف أنّ كثيرًا من الناس يبتغون الوصول إلى الشريعة، فلمَ كنتُ وحدي هنا خلال السنين الماضية كلّها؟ أدرك الحارس أنّ نهاية الرجل قريبة فقال له معاتبًا: كنتَ وحدك لأنّ هذا الباب فُتح خصّيصًا لك، وها أنا بعد قليل أغلقه للأبد...ء
٢٧/٣/٢٠٠٧
قصّة للكاتب كافكا
بعد سفر طويل وبحث دقيق، وصل المسافر إلى مبتغاه. هو يبحث منذ صباه عن الشريعة. سمع أنّها تحتوي حكمة خالصة، فيها يجد معنى لحياته. وصل إلى الباب المؤدّي إلى الشريعة، وإذا حارس واقف على الباب. قال: أيأذن لي سيّدي بالدخول؟ أجاب الحارس: لا، ليس الآن. فاستغرب الرجل وفكّر في قلبه أنّ لكلّ إنسان الحقّ بالوصول إلى الشريعة، لكنّه اكتفى بالسؤال ما إذا كان من الممكن الدخول في وقت آخر. قال الحارس: يجوز! ثمّ أخذ الرجل يسترق النظر من الباب المفتوح من خلف الحارس، فضحك الحارس وقال له: إن أردتَ أن تدخل بالقوّة لا شيء يمنعك أن تحاول. لكنّي أحذّرك: قوّتي ليست بالقليلة، وما أنا إلاّ أصغر الحرّاس، وحتّى أنا لا أستطيع أن أتحمّل مجرّد نظرة من الحارس الثالث من بعدي. فهدأ الرجل، وأعطاه الحارس كرسيًّا صغيرًا قعد عليه، وأخذ يتبادل أطراف الحديث مع الحارس، ومضى اليوم الأوّل. وبعده مضت أيّام. يسأل الرجل الحارس إن كان الإذن قد أتى ويتلقّى جوابًا بالنفي. ومضت شهور وسنين. والرجل يراقب الحارس في كلّ حركاته. أعطاه كلّ ما كان معه ليقنعه بالسماح له بالدخول، والحارس يأخذ كلّ ما يعطيه إيّاه الرجل ثمّ يرفض طلبه قائلاً: أخذتُ ما أعطيتني إيّاه لكيلا تظنّ لاحقًا أنّك وفّرتَ طريقة للدخول فتندم. ومع الوقت نسي الرجل الحرّاس الآخرين وثبت فكره على هذا الّذي أمامه وكأنّه العائق الوحيد دون مبتغاه. وأخذ يلعن حظّه ويلعن عناد الحارس. في البداية كان يقوم بذلك بصوت عالٍ لكنّه شاخ مع الزمن وخفت صوته، ولكنّ أسئلته ما انفكّت كثيرة: هل تعرف متى يأتي الإذن؟ كيف تعرف أنّه أتى؟ وذات يوم بلغ به الوهن أشدّه فسقط عن كرسيّه وارتمى على الأرض. ثمّ أومأ للحارس فاقترب منه. جمع الرجل كلّ قواه وطرح سؤالاً أخيرًا: أعرف أنّ كثيرًا من الناس يبتغون الوصول إلى الشريعة، فلمَ كنتُ وحدي هنا خلال السنين الماضية كلّها؟ أدرك الحارس أنّ نهاية الرجل قريبة فقال له معاتبًا: كنتَ وحدك لأنّ هذا الباب فُتح خصّيصًا لك، وها أنا بعد قليل أغلقه للأبد...ء
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق