٢٦‏/٣‏/٢٠٠٧

من العطيّة إلى المعطي


فماذا نُضيفُ إِلى ذلِك؟ إِذا كانَ اللّهُ معَنا، فمَن يَكونُ علَينا؟ 32 إِنَّ الَّذي لم يَضَنَّ بابْنِه نَفسِه، بل أَسلَمَه إِلى المَوتِ مِن أَجْلِنا جَميعًا، كَيفَ لا يَهَبُ لَنا معَه كُلَّ شَيء؟ 33 فمَن يَتَّهِمُ الَّذينَ اختارَهمُ الله؟ اللهُ هوَ الَّذي يُبَرِّر ! 34 ومَنِ الَّذي يُدين؟ المَسيحُ يسوع الَّذي مات، بل قام، وهو الَّذي عن يَمينِ اللهِ والَّذي يَشفعُ لَنا؟. 35فمَن يَفصِلُنا عن مَحبَّةِ المسيح؟ أَشِدَّةٌ أَم ضِيقٌ أَمِ اضْطِهادٌ أَم جُوعٌ أَم عُرْيٌ أَم خَطَرٌ أَم سَيْف؟ 36 فقَد وَرَدَ في الكِتاب: إِنَّنا مِن أَجْلِلكَ نُعاني المَوتَ طَوالَ النَّهار ونُعَدُّ غَنَمًا لِلذَّبْح . 37 ولكِنَّنا في ذلِكَ كُلِّه فُزْنا فَوزًا مُبيناً، بِالَّذي أَحَبَّنا. 38 وإِنِّي واثِقٌ بِأَنَّه لا مَوتٌ ولا حَياة، ولا مَلائِكَةٌ ولا أَصحابُ رِئاسة، ولا حاضِرٌ ولا مُستَقبَل، ولا قُوَّاتٌ ، 39 ولا عُلُوٌّ ولا عُمْق، ولا خَليقَةٌ أُخْرى، بِوُسعِها أَن تَفصِلَنا عن مَحبَّةِ اللهِ الَّتي في المَسيحِ يَسوعَ رَبِّنا. (روما 8)ء
--------------------------
عن يمين الله يشفع لنا... أتخيّل يسوع واقفًا في حضرة الآب ويشفع لي ليلاً ونهارًا، يذكر اسمي. أرى علاقة يسوع
بالآب وكأنّها تتّسع لتحوي العالم كلّه لأنّ يسوع يحمل العالم في صلاته

البعض قد يسأل: لماذا يصلّي يسوع؟ أليس هو والآب واحدٌ؟ وكأنّ الصلاة هي واجب ثقيل علينا نحن المخلوقين علينا القيام به لأنّ لا حلّ آخر لنا! الصلاة المسيحيّة هي غير ذلك تمامًا. الصلاة المسيحيّة هي العلاقة غير المخلوقة بين الآب غير المخلوق والابن المولود منه ومثله غير المخلوق، هذه العلاقة الّتي تتخطّانا تنفتح وتتّسع لكي ندخل فيها. الصلاة ليست نصيب الخليقة بل عطيّة الخالق

وما هي عطيّة الخالق؟ يقول يسوع: فأَيُّ أَبٍ مِنكُم إِذا سأَلَه ابنُه سَمَكَةً أَعطاهُ بَدَلَ السَّمَكَةِ حَيَّة؟ 12أَو سَأَلَهُ بَيضَةً أَعطاهُ عَقرَباً ؟ 13فإِذا كُنتُم أَنتُمُ الأَشرارَ تَعرِفونَ أَن تُعطوا العَطايا الصَّالِحَةَ لأَبنائِكم، فما أَولى أَباكُمُ السَّماوِيَّ بِأَن يهَبَ الرُّوحَ القُدُسَ لِلَّذينَ يسأَلونَه (لوقا الفصل11)ء
عطيّة الخالق الكاملة هي الروح القدس الّذي يأخذ ما ليسوع ويعطيه لنا، روح البنوّة الّذي به نصير أبناء لله حقًّا، نسمع الكلمة المباركة: "كلّ ما هو لي هو لكم"ء

-------------------------

الروح القدس هو العطيّة في كلّ عطيّة، هو الحبّ الّذي تجسّده العطايا. حين يهديني صديقي كتابًا: إن لم أرَ سوى الكتاب وامتلاك الكتاب، لا أكون قد نلتُ سوى كتابًا، أفرح به حينًا وينطفئ الفرح، لأنّ الكتب مفيدة لكنّ الله لم يخلقني من أجل الكتب، والكتب لا تكفي قلبي. وحده الله يكفي قلب الإنسان. ولكن إن نظرتُ إلى الكتاب على أنّه عطيّة، هديّة، صار الكتاب يجسّد العلاقة بيني وبين صديقي، صار علامة حبّ
وهكذا الخليقة، أيّ خليقة، إن ألّهتها، أي إن جعلتها غاية مسعاي وبهجة قلبي، وصلت بعد المتعة إلى المرارة: لأنّ الخليقة إن ألّهتها لا تقودني إلى السعادة. ولكن إن نظرتُ إليها على أنّها هبة من الله، إن نظرتُ إلى الواهب من خلال الهبة، صارت الخليقة علامة حبّ

----------------------

ظروف حياتي كما هي هي المكان الّذي فيه أجد الله. عبثًا أبحث عن الله في الأحلام لأنّه يسكن واقعي. الخليقة لا تفصلني عن الله بل تقودني إليه. 38 وإِنِّي واثِقٌ بِأَنَّه لا مَوتٌ ولا حَياة، ولا مَلائِكَةٌ ولا أَصحابُ رِئاسة، ولا حاضِرٌ ولا مُستَقبَل، ولا قُوَّاتٌ ، 39 ولا عُلُوٌّ ولا عُمْق، ولا خَليقَةٌ أُخْرى، بِوُسعِها أَن تَفصِلَنا عن مَحبَّةِ اللهِ الَّتي في المَسيحِ يَسوعَ رَبِّنا
قد يكون الله في ظروفي قوّة لأغيّر ظروفي على قدر استطاعتي، قد يكون تعزية لأصمد في وجه العواصف ولأعزّي إخوتي، قد يكون نورًا لكي أفهم معنى حياتي وأقود غيري إلى الفهم، قد يكون حضورًا ليعلّمني أن أكون حاضرًا للآخرين، لكنّه دائمًا حبّ غير مشروط، دعوة إلى الوجود، دفع إلى الأمام. أن أعيش الله في ظروفي هو ما نسمّيه تسبيح الله وإكرامه وخدمته

-----------------------

يمكننا الآن أن نفهم هذا النصّ من القدّيس إغناطيوس لويولا

خُلق الإنسان ليسبّح الله ربّنا ويكرّمه ويخدمه وبهذا يخلّص نفسه. وأمّا سائر الأشياء على وجه الأرض، فقد خُلقت لأجل الإنسان، ولتساعده على تحقيق الغاية الّتي لأجلها خُلق. ويترتّب على ذلك أنّه ينبغي للإنسان أن يستخدمها بقدر ما تساعده على إدراك غايته، ويجب عليه أن يبتعد عنها بقدر ما تعوقه عن هذه الغاية. فيلزمنا لذلك أن نحمل أنفسنا على أن نكون غير منحازين إلى أيّة خليقة من الخلائق – في كلّ ما هو جائز لحرّيّة اختيارنا وغير محظورٍ عليها – حتّى إنّنا، من جهتنا، لا نريد أن نفضّل الصحّة على المرض، ولا الغنى على الفقر، ولا الكرامة على العار، ولا طول الحياة على قصرها، وهلمّ جرًّا، بل نرغب ونختار ما يزيدنا اهتداءً إلى الغاية الّتي لأجلها خُلقنا

ليست هناك تعليقات: