٣١‏/٣‏/٢٠٠٧

مثل الصديق مع صديقه



اخترتُ اليوم أن أصلّي مع دوافع يسوع. كما يتكلّم الأصدقاء في ما بينهم فيكشفون بعضهم لبعض عن مشاريعهم، وأحلامهم، ورغبات قلوبهم، كذلك أريد اليوم أن أجلس مع يسوع في وقت راحة بعد العمل، الوقت الّذي فيه تدخل الراحة شيئًا فشيئًا في جسد مرهق فتحرّر الكلمات وتقول معنى الجهد والتعب، تذكّرنا بالرؤيا الّتي نسعى في سبيل تحقيقها

لهذا أجلس أمام أيقونة المسيح، في ركن هادئ، أو في كنيسة، وإن لم أجد ركنًا هادئًا ولا مكانًا للجلوس، أمشي في شارع صاخب أنظر إلى البشر على أنّهم أيقونات ليسوع، ولعملهم على أنّه جهد يسوع لتحقيق ملكوت الله
ثمّ أدع يسوع يقول لي ما غاية جهاده

أسمعه يتكلّم عن الآب. أستعين بذاكرتي لكي أستحضر مقاطع من الأنجيل تتكلّم عن يسوع في علاقته بالآب. الآب أرسله والرسول دائم النظر إلى مرسله. أراه طفلاً يقدّم إلى في الهيكل على يدي سمعان الشيخ، أو مراهقًا يختار البقاء في الهيكل بدل الالتحاق بوالديه لأنّ شيئًا يدعوه إلى البقاء، أو شابًّا يترك والدته ومدينته ويذهب في سبيل الله إلى يوحنّا المعمدان. أراه في تجاربه يفضّل الآب على المال والسلطة والملك. أسمعه يقول: "طعامي أن أعمل مشيئة الّذي أرسلني" (يوحنّا 4: 34)، أراه يقبل كأس الآلام من يد الآب ويسلم روحه بين يديه. نعم، يسوع هو إنسان من أجل الآب

أسمع يسوع يكلّمني عن الروح القدس. وأتذكّر علاقته بالروح منذ الحبل به، إلى حلول الروح عليه في نهر الأردنّ. الروح يقوده إلى البرّيّة، ثمّ يقوده إلى تبشير البشر. نسمّيه "المسيح" لأنّه نال مسحة الروح: روح الربّ عليّ لأنّه مسحني وأرسلني. أرى يسوع يبتهج بالروح ويتكلّم عنه. أسمعه يقول لنا نحن تلاميذه أنّه يرسل لنا مدافعًا هو روح الحقّ، الّذي يأخذ كلّ ما ليسوع ويعطينا إيّاه. أراه ينفخ في تلاميذه بعد قيامته ويقول: خذوا الروح القدس... يسوع هو إنسان منقاد للروح

أسمع يسوع يكلّمني عن الناس. "جئتُ لتكون الحياة للناس ولتفيض فيهم" (يوحنّا 10: 10). يرى البشر فتأخذه الشفقة لأنّهم كخراف لا راعٍ لها، ويبذل نفسه من أجلهم. أراه يطعم الناس، يقلق من أجلهم، يعلّمهم، يشفيهم... يسوع هو حقًّا إنسان من أجل الآخرين

أسمع يسوع يكلّمني عن أسلوبه الخاصّ: إخلاء الذات. في كلّ الظروف يسوع يخلي ذاته من أجل الآب، انقيادًا للروح، في سبيل البشر. أطلب منه أن يعلّمني أسلوبه لكي أكون رفيق دربه. يسوع هو إنسان يعلّمنا ما هي الإنسانيّة الحقيقيّة: هي إخلاء للذات على مثال الله، وهو الله يكشف لنا ماهيّة الله: هو إخلاء للذات في سبيلنا

ثمّ أناجيه فأقول مثلاً
يا رسول التعزية اجعلني خادمًا للتعزية
يا رسول الرحمة اجعلني خادمًا للرحمة
يا رسول الحبّ اجعلني خادمًا للحبّ
يا رسول الغفران اجعلني خادمًا للغفران
يا رسول المصالحة اجعلني خادمًا للمصالحة
يا رسول الشفاء اجعلني خادمًا للشفاء
يا مرسلاً من لدن الآب اجعلني خادمًا لرسالتك

يمكنني أيضًا أن أفكّر في عملي أو دراستي: هل أستطيع أن أستوحي من ذلك لقبًا ليسوع، مثلاً إن كنتُ محاميًا أطلب أن أخدم حقوق البشر مثل يسوع المحامي، أو إن كنتُ عاملاً في مجال الإعلانات أن أطلب أن أخدم البشارة مثل يسوع الّذي يعلن البشارة، أو إن كنتُ تاجرًا، أن أؤمّن للبشر احتياجاتهم كما صنع يسوع، إلخ

٣٠‏/٣‏/٢٠٠٧

لماذا الله خفيّ؟



إنّ الله لم يره أحدٌ قطّ

لماذا لا نرى الله؟ لماذا لا يجعل نفسه ظاهرًا بشكل لا يترك مجالاً للشكّ؟
أليست عبادة الأوثان تعبيرًا عن رغبة الإنسان في رؤية الله، وإن أدّى ذلك إلى سجن الله في حدود، حدود خيالنا وأفكارنا، حدود مشاريعنا وآرائنا؟
ألا نحاول كثيرًا أن نجعل الله مرئيًّا رغمًا عنه؟
عن طريق سجنه في شرائع مكتوبة لا في القلب بل على الحجر، عن طريق سجنه في أماكن خاصّة للعبادة "في أورشليم أو على هذا الجبل" كما ورد في حوار يسوع مع السامريّة (يوحنّا 4). نجعله مرئيًّا رغمًا عنه حين نؤلّه الكتاب، أو حين نؤلّه الأشخاص، أو حين نؤلّه الأفكار
إن كان الله يعتصم بالخفية فذلك لأنّه لا يرضى بالسجون. لو لم يكن الله حرًّا لما كان الإنسان حرًّا، ولذلك تؤدّي عبادة الأوثان إلى استعباد البشر. إن كان الله يعتصم بالخفية فذلك لأنّه لا يرضى أن يكون "إله أمر واقع"، مفروضًا علينا فرضًا، كلمته جبّارة حتّى أنّها تخنق كلماتنا. أيّ خلاص هذا إن اضطرّ الإنسان أن يقبل بالإله مجبرًا لأنّ لا حيلة في يده؟ يعتصم الله بالخفية لكي يبقى اكتشافًا مفرحًا، طريقًا فيه ننمو، بشارةً ورجاء. الله يرفض أن يكون "أمرًا واقعًا" مفروضًا علينا لأنّه يريد حرّيّتنا. لهذا لا يُختصر الله في شريعة مهما سمت، ولا يُشرح بكتاب مهما صدق. لهذا هو لا يظهر نفسه إلاّ إنسانًا معرّضًا للرفض، كلمة تسعى إليها كلمات البشر ولكنّها لا تختزلها، كلمة تستدعي كلماتنا وتنقّيها وتطهّرها لكي تدخل أكثر فأكثر في سرّه المقدّس

لو لم يكن الله سرًّا لكان حُكمًا: من لم يقبل إليه من كلّ قلبه مات في حزنه، ومن منّا يقبل إليه من كلّ قلبه إن لم يستهوينا ويستدعينا ويقودنا وينهضنا ويعود بنا إليه؟ لو لم يكن الله سرًّا لكان سجنًا: نعيش في جنّة لم نخترها، في أمان ليس لنا فيه رجاء الاتّحاد بالله، رجاء أن نكون مثله في كلّ شيء. لو لم يكن الله سرًّا لكان لغزًا: نقف أمامه حائرين عاجزين محدودين ليس لنا طريق للنموّ في معرفته. أفضّل أن أكون إنسانًا على الأرض ممّا أن أكون شجرة في الجنّة
لو لم يكن الله سرًّا... ومع ذلك نريد أن نجعله مرئيًّا رغمًا عنه. لذلك نحكم على البشر. لذلك نصنّف الناس بين صدّيق وشرّير. لذلك نسمّي أشياء حرامًا وأخرى حلالاً. لذلك يُصلب في وسطنا من يخدم الله. يؤذي قناعاتنا الراسخة وإن كان رسوخها على حساب الآخرين. يفضح أقنعتنا الّتي جمّلناها وإن عن طريق تقبيح الآخرين. الله في ما بيننا اختار مكان الضحيّة، ضحيّة أنظمتنا الظالمة، ضحيّة الآلهة المرئية، ضحيّة رغبتنا في السيطرة على مقوّمات حياتنا... ضحيّة خوفنا، ضحيّة كبريائنا، اختار أن يحمل موتنا، لأنّه الله

--------------------------

من المزمور 115

لا لَنا يا رَبُّ لا لَنا بل لاْسمِكَ أَعْطِ المَجْد لأَجْلِ رَحمَتِكَ وحَقِّكَ
لِمَ تَقولُ الأُمَم: أَينَ إِلهُهم ؟
إِنَّ إِلهَنا في السَّماء صَنعً كُلَّ ما شاء
أَوثانُهم فِضَّةٌ وذَهَب صُنعُ أَيدي البَشَر
لَها أَفْواهٌ ولا تَتَكلَم لَها عُيونٌ ولا تُبصِر
لَها آذانٌ ولا تَسمعَ لَها أُنوفٌ ولا تَشُمّ
لَها أَيدٍ ولا تَلمُس لَها أَرجُلٌ ولا تَمشي ولا بِحَناجِرِها تتَمتِم
مِثلها يَصيرُ صانِعوها وجَميعُ المُتَّكِلينَ علَيها

هنا والآن


أرسلني يا رب حيثما تريد
في حقول قد نضجت للحصاد، في أراضي جديدة
أرسلني أعمل في كرمك، أرسلني مع البنائين
أرسلني مع عمال الساعة الأخيرة
فقط أرسلني يا رب

ما بالك ترسلني كل مرة "هنا والآن"ء
في واقعي المجمد، في حياتي اليومية؟
ألا ترى يارب أن هذه الأرض التي ترسلني إليها قد جفت؟
ألم تعلم أن مدينتي هذه هي المدينة التي تقتل الأنبياء والرسل؟

أنظر إلى كمية الطاقات المهدورة من حولي، أنظر إلى كم الشعارات اللامعة الكاذبة
ما من شعار أستطيع أن أتبناه إلا وتحول، ما من أمل أستطيع أن أومن به وإلا وأستخدم في سبل منحرفة
لا شيء بوسعة أن ينبت "هنا والآن" ء

أترى من مزيد؟ ما هو المجهود الذي بوسعي أن أقدمه؟ أطلب يا رب فعبدك يسمع! أخدم فقراء؟ أنقل فكرًا جديدًا داخل خدمتي في الكنيسة؟ أتفانى في عملي؟ أشترك في التصويت لتعديل الدستور؟

أتراك تقول لي مثل ما قلت للشاب الغني واحدة تنقصك؟
إن صنعت كل هذا وليست بداخلي محبة فأنا صنج يرن ونحاس يطن

لكن المحبة على مثالك هي أن أعطي حياتي فدا لمن أحب، لكي يحي من أحب
يطلب صديقي زيارة ثانية في الأسبوع، لا أستطيع أن أخصص له مزيداً من الوقت دون أن يمس هذا بترتيب حياتي فأنا أحب صديقي لكني لا أستطيع أن أبذل حياتي عنه. أستطيع أن أعطي له ما تبقى من وقتي غير أني أعرف أنه لن يتبقى شيء
تطلب ابنتي نوعية أفضل من الحضور: حضورًا مجانيًّا، حضورًا مرحًا. لكن ما تبقى من مهامّ هو ما نحتاج إليه لنعيش. لا يحتمل تأخيرًا أو تأجيلاً أو إلغاء

حياتي محكومة بظروف، محكومة بضروريّات، محكومة بوقت
حياتي تملأها المهامّ
ليتك يا رب تأخذ هذه المهامّ واحدة واحدة وتعيدها لي أو تلقيها عني
فتملأ وقتي عوضاّ عن المهام بالمحبة

٢٨‏/٣‏/٢٠٠٧

جسد المسيح



لِذلِكَ قالَ المسيحُ عِندَ دُخولِه العالَم: لم تَشَأْ ذَبيحَةً ولا قُرْبانًا ولكِنَّكَ أَعدَدتَ لي جَسَدًا (عبرانيّين 10: 5)ء

أعددتَ لي جسدًا... أقترح اليوم تمرينًا روحيًّا بسيطًا يمكن القيام به في أيّ مكان وفي أيّ وقت، يساعدنا على النموّ في فهم أبعاد جسد المسيح. هذا التمرين يتحسّن مع الوقت خصوصًا حين ننمو في معرفة الكتاب المقدّس. والتمرين هو أن أفكّر في أبعاد جسد المسيح الأربعة

البعد الأوّل: جسد يسوع الناصريّ، ذلك الرجل الّذي ولد من العذراء واتّخذ تلاميذ، وعلّم وشفى وقال الحقّ ثمّ تألّم ومات وقام من الأموات وهو اليوم عن يمين الآب يشفع لنا بلا انقطاع. الجسد هو علاقة وتضامن، حين نريد أن نتكلّم عن مجموعة من الناس في تضامن كبير وفي علاقة حميمة، نقول إنّهم جسد واحد. ومن خلال جسد يسوع الناصريّ دخل الله في علاقة كاملة معنا، في شركة، وما موت المسيح لأجلنا سوى تضامنًا يذهب إلى أقصى حدوده. أعيد إلى ذاكرتي ما أعرفه عن يسوع الناصريّ. ثمّ أفكّر بما يلي: أريد وأرغب أن أقيم مع يسوع، أي أن أكون معه حيث يكون ليكون مصيري هو نفسه مصيره. أريد أن أقتدي بمعلّمي وأن أسير إلى جانبه

البعد الثاني: جسد يسوع الّذي أتناوله في القدّاس. الجسد هو حضور. ويسوع حاضر لنا في القربان المقدّس، يغذّينا ويحيينا. أفكّر كيف أنّ هذا الجسد يكسر من أجل الكثيرين. كيف أنّه يشبع الملايين من البشر من خلال المؤمنين الّذين حين يكتشفون حقيقة حضور المسيح من أجلهم في القربان يضعون أنفسهم في خدمة البشر ويصيرون حاضرين للآخرين، يصير تعبهم غذاءً للجائعين وصلاتهم رجاء للعالم. يدخلون في صراع الله ضدّ الشرّ ويثبتون في الله لأنّهم يتغذّون من جسد المسيح. ثمّ أفكّر بما يلي: أريد وأرغب أن أقيم مع يسوع، أي أن أكون معه حيث يكون ليكون مصيري هو نفسه مصيره. أريد أن أتغذّى من جسده وأن أجعل من جسدي حضورًا لأجل البشر الّذين أعيش معهم

البعد الثالث: جسد المسيح السرّيّ أي الكنيسة. يسوع يجعل منّا أعضاء له. جسده مثل حبّة القمح المزروعة في الأرض: تموت لكي لا تبقى وحدها بل لتثمر فينا. الكنيسة جسد المسيح، ومن أحبّ المسيح حقًّا أحبّ الكنيسة الّتي تضامن معها المسيح حتّى أنّه صار وإيّاها جسدًا واحدًا. أحبّ أبناء الكنيسة وبناتها كما أحبّني المسيح وأحبّهم. ثمّ أفكّر بما يلي: أريد وأرغب أن أقيم مع يسوع، أي أن أكون معه حيث يكون ليكون مصيري هو نفسه مصيره. لذلك أريد أن أحيا في الكنيسة وأخدم رسالتها، خصوصًا حيث تشوّه وجهها بسبب خطايا أبنائها وبناتها

البعد الرابع: يقول يسوع إنّ من يخدم المحتاج يخدمه هو (متّى 25) فالفقراء والمحتاجون هم جسد المسيح، أي أنّي ألتقي بالمسيح حين ألتقي بهم، وأبني جسد المسيح حين أتضامن معهم. ثمّ أفكّر بما يلي: أريد وأرغب أن أقيم مع يسوع، أي أن أكون معه حيث يكون ليكون مصيري هو نفسه مصيره. لذلك أريد أن أزداد اهتمامًا بالأخوة المحتاجين، وأن أشاركهم ما استطعت في خيراتي الزمنيّة أو الروحيّة، وذلك بدون التفريق بينهم على أساس الدين، أو العرق، أو ما إلى ذلك، وأريد أن أتنبّه إلى كلّ ما ينتج ظلمًا وألمًا في حياتي ومجتمعي من عادات وتقاليد وقوانين، وأن أقاومها باسم المسيح

-------------------------

يا روح المسيح قدّسيني
يا جسد المسيح خلّصني
يا دم المسيح أسكرني
يا ماء جنب المسيح اغسلني
يا آلام المسيح قوّيني
أيّها المسيح الحنون استجب لي
وفي جراحاتك أخفني
وأن أنفصل عنك لا تدعني
ومن العدوّ الخبيث احمني
وفي ساعة موتي ادعني
وبأن أتي إليك مرني
لأمجّدك مع جميع قدّيسيك
لك المجد إلى الأبد
آمين

مدينة الله



حبّان أنشأا مدينتين: حبّ النفس حتّى احتقار الله وحبّ الله حتّى احتقار النفس...ء

هذه الجملة من القدّيس أغسطينوس تستوقفنا اليوم. يتكلّم القدّيس عن منطقين يعملان في عالمنا، منطق يؤلّه الخليقة ومنطق يعترف بالله إلهًا. إمّا حبّّ النفس وإمّا حبّ الله. ولكن هل يجب أن نحتقر أنفسنا إذا أردنا حبّ الله؟ هل الإنسان محتقر في مدينة الله ومكرّم في مدينة حبّ الذات؟ بالطبع لا. حبّ الله حتّى احتقار النفس هو حبّ لله يجعلنا قادرين أن نعترف بأعماقنا المظلمة، قادرين أن نواجه ظلماتنا. حبّنا لله يجعلنا نحبّ أنفسنا كما يحبّنا الله، لا كما يحبّ البشر. لأنّ حبّ البشر ليس بلا شروط. أمّا الله فقادر على معجزة المعجزات، قادر على المجّانيّة

حبّ الذات ليس حبًّا حقيقيًّا. منطق الحبّ يلغي الاستحقاقات. أن أسأل نفسي إن كنتُ أستحقّ حبّ الله أم لا هو سؤال فارغ كاذب يريد أن يعيدني إلى حبّ الذات. حين يقول التقليد الكنسيّ إنّ الله يحبّنا دونما استحقاق منّا، إنّما هو يريد أن يخرجنا من منطق الاستحقاق أصلاً لكنّ قلبنا يعاند. فالحبّ لا نستحقّه أصلاً وأمامه يتساوى القدّيس والمجرم كما يتساوى الابنان أمام أبيهما. ولكنّ حبّ الذات الّذي يبلغ إلى احتقار الله هو الرغبة في أن أستحقّ حبّ الله، أن يعترف بي الله والبشر أنّي جيّد. يعمل منطق حبّ النفس بشكل خفيّ في أكثر النفوس استعدادًا لحبّ الله وخدمته. يريد أن يبلغ بنا إلى اليأس عن طريق الكبرياء. يقنعنا تارة أنّ لا رجاء لنا ببلوغ طهارة القلب، مشيرًا إلى ضعفنا، أو يدفعنا أحيانًا إلى الإعجاب بالذات، مشيرًا إلى مزايانا. نعرف كيف نكشف خداع هذا المنطق: يوصلنا دائمًا إلى طريق مسدود، إلى مرارة، إلى يأس. ولكن أليس من الممكن اكتشافه باكرًا قبل أن يعمل فينا عمله؟ من أرهف السمع يستطيع ذلك. فمنطق حبّ الذات له هيكليّة. هو يجذب الانتباه دومًا إلى أهمّيّة ما نملكه: المال أو المواهب، أو الشهادات، وما إلى ذلك. حبّ الذات يجعلني أعطي قيمة كبيرة لما أملكه وكأنّني مختلف عن أبناء الله الآخرين. من حبّ الامتلاك يقودني إلى الرغبة باعتراف الآخرين بي، أو أقلّه أن أكون راضيًا عن ذاتي، فأطالب الله بعلامات رضاه عنّي. هذا ما يسمّيه التقليد الكنسيّ المجد الباطل. ومن حبّ الامتلاك يريد أن يقودني إلى الكبرياء أي إلى تأليه الذات. المتكبّر هو من يريد أن يكون مصدر ذاته، هو الّذي يريد أن يمتلك سرّ وجوده، هو الّذي يريد أن يستحقّ حبّ الله له

أمّا منطق حبّ الله فيسير في طريق نقيض: يحبّب إلينا الفقر الروحيّ أي عدم الامتلاك، فتبقى المواهب هبات والمال وسيلة. ومن هنا يحبّبنا بأن يقبلنا البشر إخوة لهم، ولا نحبّ تمييزنا، لا نحبّ السيطرة عليهم. بل نفضّل أن نكون مرفوضين في سبيل المسيح على أن نكون مقبولين على حسابه. ومن هنا ننمو في التواضع، أي الابتهاج بأنّ مصدر حياتنا هو في الله

في لغة القديس أغسطينوس، المدينة هي مجموعة البشر المرتبطين معًا برباط العيش المشترك، أي يتكلّمون لغة مشتركة أو لغات مشتركة، عملهم يصبّ في مصلحة عامّة مشتركة بينهم، لهم تاريخ مشترك ومعايير حضاريّة مشتركة، ويواجهون مصيرًا مشتركًا. لكي لا نخلط انتماءنا الروحيّ بانتماءات سياسيّة ضروريّة بلا شكّ لكن لا علاقة مباشرة لها بموضوعنا، أقترح أن نغيّر كلمة "مدينة" ونستخدم كلمة جسد

حبّان بتجسّدان في عالمنا: جسد الخطيئة وهو رفض الله وجسد المسيح وهو تسبيح الله وإكرامه وخدمته. الخطيئة جسم ينمو. هي أكبر منّي حتّى أنّي لو أردت مقاومتها بقدرتي الشخصيّة لعجزتُ. ولكنّ خطاياي تدخل في هذا الجسم وتكبره. خطاياي تساهم في خلق عالم تحكمه الأنانيّة والكبرياء ومصيره اليأس. ولكن ما أن أريد أن أقاوم الخطيئة حتّى أرى عمق تجذّرها في قلبي. مع الوقت أرى أكثر فأكثر مدى انتشارها وقد تداهمني تجربة اليأس لهذا المنظر. أعلم أنّي مجروح منها حتّى أنّي منقسم على ذاتي، أعمل ما لا أريد وأريد لكنّي لا أعمل.في المقابل أرى جسد المسيح أيضًا ينمو وأقصد به الكنيسة لا المنظورة فحسب، بل الكنيسة الخفيّة أيضًا، حيث يحوّل الروح القدس كلّ حبّ فينا إلى نموّ في جسد المسيح. كلّ مرّة أعمل مع الله في سبيل الحياة أساهم في مجيء ملكوت الله

٢٧‏/٣‏/٢٠٠٧

قصّة للكاتب كافكا


بعد سفر طويل وبحث دقيق، وصل المسافر إلى مبتغاه. هو يبحث منذ صباه عن الشريعة. سمع أنّها تحتوي حكمة خالصة، فيها يجد معنى لحياته. وصل إلى الباب المؤدّي إلى الشريعة، وإذا حارس واقف على الباب. قال: أيأذن لي سيّدي بالدخول؟ أجاب الحارس: لا، ليس الآن. فاستغرب الرجل وفكّر في قلبه أنّ لكلّ إنسان الحقّ بالوصول إلى الشريعة، لكنّه اكتفى بالسؤال ما إذا كان من الممكن الدخول في وقت آخر. قال الحارس: يجوز! ثمّ أخذ الرجل يسترق النظر من الباب المفتوح من خلف الحارس، فضحك الحارس وقال له: إن أردتَ أن تدخل بالقوّة لا شيء يمنعك أن تحاول. لكنّي أحذّرك: قوّتي ليست بالقليلة، وما أنا إلاّ أصغر الحرّاس، وحتّى أنا لا أستطيع أن أتحمّل مجرّد نظرة من الحارس الثالث من بعدي. فهدأ الرجل، وأعطاه الحارس كرسيًّا صغيرًا قعد عليه، وأخذ يتبادل أطراف الحديث مع الحارس، ومضى اليوم الأوّل. وبعده مضت أيّام. يسأل الرجل الحارس إن كان الإذن قد أتى ويتلقّى جوابًا بالنفي. ومضت شهور وسنين. والرجل يراقب الحارس في كلّ حركاته. أعطاه كلّ ما كان معه ليقنعه بالسماح له بالدخول، والحارس يأخذ كلّ ما يعطيه إيّاه الرجل ثمّ يرفض طلبه قائلاً: أخذتُ ما أعطيتني إيّاه لكيلا تظنّ لاحقًا أنّك وفّرتَ طريقة للدخول فتندم. ومع الوقت نسي الرجل الحرّاس الآخرين وثبت فكره على هذا الّذي أمامه وكأنّه العائق الوحيد دون مبتغاه. وأخذ يلعن حظّه ويلعن عناد الحارس. في البداية كان يقوم بذلك بصوت عالٍ لكنّه شاخ مع الزمن وخفت صوته، ولكنّ أسئلته ما انفكّت كثيرة: هل تعرف متى يأتي الإذن؟ كيف تعرف أنّه أتى؟ وذات يوم بلغ به الوهن أشدّه فسقط عن كرسيّه وارتمى على الأرض. ثمّ أومأ للحارس فاقترب منه. جمع الرجل كلّ قواه وطرح سؤالاً أخيرًا: أعرف أنّ كثيرًا من الناس يبتغون الوصول إلى الشريعة، فلمَ كنتُ وحدي هنا خلال السنين الماضية كلّها؟ أدرك الحارس أنّ نهاية الرجل قريبة فقال له معاتبًا: كنتَ وحدك لأنّ هذا الباب فُتح خصّيصًا لك، وها أنا بعد قليل أغلقه للأبد...ء

٢٦‏/٣‏/٢٠٠٧

من العطيّة إلى المعطي


فماذا نُضيفُ إِلى ذلِك؟ إِذا كانَ اللّهُ معَنا، فمَن يَكونُ علَينا؟ 32 إِنَّ الَّذي لم يَضَنَّ بابْنِه نَفسِه، بل أَسلَمَه إِلى المَوتِ مِن أَجْلِنا جَميعًا، كَيفَ لا يَهَبُ لَنا معَه كُلَّ شَيء؟ 33 فمَن يَتَّهِمُ الَّذينَ اختارَهمُ الله؟ اللهُ هوَ الَّذي يُبَرِّر ! 34 ومَنِ الَّذي يُدين؟ المَسيحُ يسوع الَّذي مات، بل قام، وهو الَّذي عن يَمينِ اللهِ والَّذي يَشفعُ لَنا؟. 35فمَن يَفصِلُنا عن مَحبَّةِ المسيح؟ أَشِدَّةٌ أَم ضِيقٌ أَمِ اضْطِهادٌ أَم جُوعٌ أَم عُرْيٌ أَم خَطَرٌ أَم سَيْف؟ 36 فقَد وَرَدَ في الكِتاب: إِنَّنا مِن أَجْلِلكَ نُعاني المَوتَ طَوالَ النَّهار ونُعَدُّ غَنَمًا لِلذَّبْح . 37 ولكِنَّنا في ذلِكَ كُلِّه فُزْنا فَوزًا مُبيناً، بِالَّذي أَحَبَّنا. 38 وإِنِّي واثِقٌ بِأَنَّه لا مَوتٌ ولا حَياة، ولا مَلائِكَةٌ ولا أَصحابُ رِئاسة، ولا حاضِرٌ ولا مُستَقبَل، ولا قُوَّاتٌ ، 39 ولا عُلُوٌّ ولا عُمْق، ولا خَليقَةٌ أُخْرى، بِوُسعِها أَن تَفصِلَنا عن مَحبَّةِ اللهِ الَّتي في المَسيحِ يَسوعَ رَبِّنا. (روما 8)ء
--------------------------
عن يمين الله يشفع لنا... أتخيّل يسوع واقفًا في حضرة الآب ويشفع لي ليلاً ونهارًا، يذكر اسمي. أرى علاقة يسوع
بالآب وكأنّها تتّسع لتحوي العالم كلّه لأنّ يسوع يحمل العالم في صلاته

البعض قد يسأل: لماذا يصلّي يسوع؟ أليس هو والآب واحدٌ؟ وكأنّ الصلاة هي واجب ثقيل علينا نحن المخلوقين علينا القيام به لأنّ لا حلّ آخر لنا! الصلاة المسيحيّة هي غير ذلك تمامًا. الصلاة المسيحيّة هي العلاقة غير المخلوقة بين الآب غير المخلوق والابن المولود منه ومثله غير المخلوق، هذه العلاقة الّتي تتخطّانا تنفتح وتتّسع لكي ندخل فيها. الصلاة ليست نصيب الخليقة بل عطيّة الخالق

وما هي عطيّة الخالق؟ يقول يسوع: فأَيُّ أَبٍ مِنكُم إِذا سأَلَه ابنُه سَمَكَةً أَعطاهُ بَدَلَ السَّمَكَةِ حَيَّة؟ 12أَو سَأَلَهُ بَيضَةً أَعطاهُ عَقرَباً ؟ 13فإِذا كُنتُم أَنتُمُ الأَشرارَ تَعرِفونَ أَن تُعطوا العَطايا الصَّالِحَةَ لأَبنائِكم، فما أَولى أَباكُمُ السَّماوِيَّ بِأَن يهَبَ الرُّوحَ القُدُسَ لِلَّذينَ يسأَلونَه (لوقا الفصل11)ء
عطيّة الخالق الكاملة هي الروح القدس الّذي يأخذ ما ليسوع ويعطيه لنا، روح البنوّة الّذي به نصير أبناء لله حقًّا، نسمع الكلمة المباركة: "كلّ ما هو لي هو لكم"ء

-------------------------

الروح القدس هو العطيّة في كلّ عطيّة، هو الحبّ الّذي تجسّده العطايا. حين يهديني صديقي كتابًا: إن لم أرَ سوى الكتاب وامتلاك الكتاب، لا أكون قد نلتُ سوى كتابًا، أفرح به حينًا وينطفئ الفرح، لأنّ الكتب مفيدة لكنّ الله لم يخلقني من أجل الكتب، والكتب لا تكفي قلبي. وحده الله يكفي قلب الإنسان. ولكن إن نظرتُ إلى الكتاب على أنّه عطيّة، هديّة، صار الكتاب يجسّد العلاقة بيني وبين صديقي، صار علامة حبّ
وهكذا الخليقة، أيّ خليقة، إن ألّهتها، أي إن جعلتها غاية مسعاي وبهجة قلبي، وصلت بعد المتعة إلى المرارة: لأنّ الخليقة إن ألّهتها لا تقودني إلى السعادة. ولكن إن نظرتُ إليها على أنّها هبة من الله، إن نظرتُ إلى الواهب من خلال الهبة، صارت الخليقة علامة حبّ

----------------------

ظروف حياتي كما هي هي المكان الّذي فيه أجد الله. عبثًا أبحث عن الله في الأحلام لأنّه يسكن واقعي. الخليقة لا تفصلني عن الله بل تقودني إليه. 38 وإِنِّي واثِقٌ بِأَنَّه لا مَوتٌ ولا حَياة، ولا مَلائِكَةٌ ولا أَصحابُ رِئاسة، ولا حاضِرٌ ولا مُستَقبَل، ولا قُوَّاتٌ ، 39 ولا عُلُوٌّ ولا عُمْق، ولا خَليقَةٌ أُخْرى، بِوُسعِها أَن تَفصِلَنا عن مَحبَّةِ اللهِ الَّتي في المَسيحِ يَسوعَ رَبِّنا
قد يكون الله في ظروفي قوّة لأغيّر ظروفي على قدر استطاعتي، قد يكون تعزية لأصمد في وجه العواصف ولأعزّي إخوتي، قد يكون نورًا لكي أفهم معنى حياتي وأقود غيري إلى الفهم، قد يكون حضورًا ليعلّمني أن أكون حاضرًا للآخرين، لكنّه دائمًا حبّ غير مشروط، دعوة إلى الوجود، دفع إلى الأمام. أن أعيش الله في ظروفي هو ما نسمّيه تسبيح الله وإكرامه وخدمته

-----------------------

يمكننا الآن أن نفهم هذا النصّ من القدّيس إغناطيوس لويولا

خُلق الإنسان ليسبّح الله ربّنا ويكرّمه ويخدمه وبهذا يخلّص نفسه. وأمّا سائر الأشياء على وجه الأرض، فقد خُلقت لأجل الإنسان، ولتساعده على تحقيق الغاية الّتي لأجلها خُلق. ويترتّب على ذلك أنّه ينبغي للإنسان أن يستخدمها بقدر ما تساعده على إدراك غايته، ويجب عليه أن يبتعد عنها بقدر ما تعوقه عن هذه الغاية. فيلزمنا لذلك أن نحمل أنفسنا على أن نكون غير منحازين إلى أيّة خليقة من الخلائق – في كلّ ما هو جائز لحرّيّة اختيارنا وغير محظورٍ عليها – حتّى إنّنا، من جهتنا، لا نريد أن نفضّل الصحّة على المرض، ولا الغنى على الفقر، ولا الكرامة على العار، ولا طول الحياة على قصرها، وهلمّ جرًّا، بل نرغب ونختار ما يزيدنا اهتداءً إلى الغاية الّتي لأجلها خُلقنا

٢٤‏/٣‏/٢٠٠٧

حمل الله


في رؤيا يوحنّا مشهد غريب: يقف الرائي، يوحنّا، في حضرة الله ويرى كتابًا مختومًا في يد الله ويسمع ملاكًا يقول: من هو أهل لفتح الكتاب؟ ولا أحد يجيب لا في السماء ولا على الأرض

يأخذ يوحنّا بالبكاء. فيقول له الملاك لا تبكِ لأنّه وُجد من يفتح الكتاب. وينظر يوحنّا وإذا بحمل كأنّه ذبيح قد حضر وأخذ الكتاب

وسمع يوحنّا نشيدًا يقول: أنت أهل لفتح الكتاب وفضّ ختمه، لأَنَّكَ ذُبِحتَ وافتَدَيتَ للهِ بِدَمِكَ أُناسًا مِن كُلِّ قَبيلَةٍ ولِسانٍ وشَعبٍ وأُمَّة

رمزيّة الكتاب المختوم غنيّة جدًّا. هي تلمّح إلى فهم الكتاب المقدّس، إلى تتميم قصد الله في خليقته، إلى معرفة مشيئة الله، إلى معنى تاريخ البشر، إلى الغفران. في كلّ الأحوال الّذي يفضّ الأختام هو ذاك الّذي أعطى ذاته. حمل الله الّذي يحمل خطيئة العالم

إنّ الّذي يسير في طريق الصلاة يكتشف كيف أنّ قلبه مختوم، مغلق عن معرفة الله. والتجربة الكبرى هي أن يخفي هذه الحقيقة عن نفسه
أحيانًا نقنع أنفسنا بأنّنا أشخاص "جيّدون"، نقوم بالأعمال الحسنة، نقارن أنفسنا بالآخرين ونرتاح إلى النتيجة. بل أحيانًا "نطير" بالأفكار الروحيّة العذبة لكي نخفي عن أنفسنا هذه الحقيقة. نعم! قد يصبح التديّن نفسه أحيانًا كذبة كبيرة. وأحيانًا نقول: سننجح في المرّة المقبلة. غدًا سأكون الإنسان المثاليّ. لو كان لديّ تركيز أكثر! لو كان لديّ قوّة إرادة... لو كانت ظروفي مثل ظروف القدّيس الفلانيّ لصرتُ مثله... وأسكن في اللوم: لوم الآخرين لأنّهم لا يوفّرون لي ظروف إبراز فضيلتي العظيمة، لوم الظروف لأنّها لا تؤاتيني، لوم الذات لأنّي لستُ كما ينبغي أن أكون، وفي كلّ ذلك، وبشكل خفيّ، لوم الله لأنّه خلقني كما خلقني

أمّا الّذي يقبل هذا الاكتشاف أنّ قلبه مختوم عن معرفة الله، فيبتهج لرؤية حمل الله الّذي فضّ الأختام. يقول له: ربّي، أين تقيم؟ ويقيم معه في الشكر: شكر الله لأنّه دعاني إلى الوجود وما انفكّ يدعوني إلى الوجود، شكر الله لأنّه يعمل دومًا محوّلاً حزننا إلى فرح وآلامنا إلى انتصار. وحين أصادف ختمًا جديدًا، حزنًا جديدًا، أبكي مع الباكين وأئنّ مع الروح وأعمل مع الله لكي أرى خلاص الله وأنشد النشيد الجديد

الله وحده قدّوس. نحن خطأة غُفر لنا لكي نحيا ونخدم رسالة الغفران في عالمنا. لا نقول بعد اليوم: هذا خاطئ، هذه خاطئة... بل نقول: حيث كثرت الخطيئة فاضت النعمة. لأنّنا عرفنا قلبنا وعرفنا الله منذ نظرنا إلى الحمل يحمل خطايانا. لهذا ظروف حياتنا كما هي هي درب الخلاص. لا أريد أن أحلم بعد اليوم بحياة أخرى لأنّي أريد أن أرى انتصار الله في حياتي هذه. ولأنّه أحبّنا لا نعرف سبيلاً في هذه الحياة سوى الحبّ. وحين تسدّ خطايانا السبيل نصرخ إليه: آمنّا فأعن عدم إيماننا

٢٣‏/٣‏/٢٠٠٧

وجدتُ من تحبّه نفسي

تأمّل يوم السبت 24/3/2007 ء


إلى أين نذهب وكلام الحياة الأبديّة عندك؟ (يوحنّا 6: 68)ء

كثيرون يريدون الذهاب: كما وجدنا هذا سابقًا وجدنا اليوم غيره، تعال!
ء
حججهم مقنعة. تعليم المسيح لا يحلّ مشاكلنا، لا يشفي جراحنا، لا يروي غليلنا... تعال! هوذا معلّم جديد، كلامه جديد، وعوده عذبة، طريقه متطلّب لكنّه سهل. وهناك آخر: تكلّم عنّي كما لو أنّه يعرفني. هو يفهم قلب الإنسان. ويقول لي: إن لم تجد نتيجة أعيد إليك أموالك. يبدو واثقًا من نفسه. وأنا تنقصني هذه الثقة. وأنت أيضًا... تعال! نريد واقعيّةً أو نريد أحلامًا، أمّا هذا الّذي يقول لنا إنّ الواقع أجمل من الأحلام فلا نريده! نريد إمّا براهين عقليّة علميّة محضة تقنعنا، إمّا وسائل وطرقًا تنسينا آلامنا، أمّا هذا الّذي يريدنا أن نواجه ذواتنا ولا سلاح بين أيدينا سوى كلمته ووعده فلم نعد نريده
لا تظنّ أنّنا نذهب شامتين. كان كلامه ذا مذاق. نحن نذهب حزانى. نحن نذهب غاضبين. نحن نذهب يائسين. أحببناه حين أطعمنا، لكن أن يصير هو غذاؤنا لا نقبل. تعوّدنا أن نكون نحن غذاء رؤسائنا. وماذا نفعل بقائد لا يستطيع الدفاع عن نفسه؟ أفكاره جميلة لكن ليس الآن وقت الأفكار الجميلة
نذهب غاضبين لأنّنا مجروحون. انتظرنا الكثير منه. كان واعدًا. ولكن ها هي حياتنا لم تتغيّر. حين تبعناه في البدء كان الطريق الطويل لا يتعبنا، وسخرية الناس تزيدنا اندفاعًا. كان جوعنا وعطشنا تضحية نرضاها. وماذا حصدنا؟ مرّت الأيّام وازددنا نضوجًا وواقعيّة. لن نكمل معه... تعال! أنت مثلنا تحبّ الحياة
أتظنّ أنّك قادر أن تكمل معه؟ ألا ترى أنّك أضعف منّا جميعًا؟ ألا تعدّ سقطاتك؟ ما زلتَ طفلاً مع أنّك من جيلنا. غدًا سترى. أنتَ متكبّر متعالٍ. لن تستطيع أن تكمل الطريق
-
-
نعم! نعم! حججكم قويّة! وهي صدى لما أسمعه في قلبي. لكن إلى أين أذهب؟ معلّموكم جذّابون وكلامهم عذب، فيه حكمة كثيرة. أعرف أنّ طريقي رهان كبير وأنا أحبّ الضمانات أكثر منكم مجتمعين. ولكنّ كلام الحياة الأبديّة هنا! إن كان معلّمي صادقًا بهتت إلى جانبه كلّ التعاليم، وإن كان ضالاًّ بهت الوجود نفسه وضاع معناه. لأنّه ربط مصيره بمصيري، ربطّ مصيري بمصيره. لأنّه أحبّني تعلّمت الحبّ. بحثتُ طويلاً عن الكلمة الصادقة، الكلمة الّتي يمكن للإنسان أن يسكن فيها، الكلمة الّتي تتخطّى نزاعات البشر بدون أن تلغي البشر، الّتي تحمل تناقضاتنا وتسير بها إلى خلاصها. إلى أين أذهب وقد وجدتُ هذه الكلمة؟ لا أريد أن أجعلها على مقاسي لأنّ مقاييسي ضيّقة، ولا أريد أن أعلّمها كيف تخلّصني بحسب معاييري، لأنّ لو صدقت معاييري لما احتجت إليها. إن كان طريق الحياة يمرّ عبر الموت من من البشر سلكها؟ وإن كانت العلاقات تقاس بالضمانات من من العلماء قاسها؟ إنّ الله لم يره أحد قطّ، لكن حيث يقيم هذا الرجل، هناك يقيم الله

٢٢‏/٣‏/٢٠٠٧

الماء الحيّ




وفي آخِرِ يَومٍ مِنَ العيد، وهُو أَعظَمُ أَيَّامِه، وقَفَ يسوع ورفَعَ صَوتَه قال: إِن عَطِشَ أَحَدٌ فليُقبِلْ إِلَيَّ 38ومَن آمنَ بي فَلْيَشَربْ كما ورَدَ في الكِتاب: ستَجْري مِن جَوفِه أَنهارٌ مِنَ الماءِ الحَيّ. 39وأَرادَ بِقَولِه الرُّوحَ الَّذي سيَنالُه المؤمِنونَ بِه، فلَم يكُنْ هُناكَ بَعدُ مِن رُوح، لأَنَّ يسوعَ لم يَكُنْ قد مُجِّد


يوحنّا 7: 37-39


العطش والارتواء صورة ترد كثيرًا في الكتاب المقدّس للتعبير عن رغبة الإنسان في الله. وعن رغبة الله في الإنسان أيضًا. لهذا هي صورة معبّرة عن الصلاة نفسها. فالصلاة تعبير عن عطش أو هي ارتواء بسيط. انظر إلى طفل يشرب، أليس في الارتواء شكرًا وامتنانًا بدون كلمات؟

عبّر الأنبياء قديمًا عن ضرورة حضور الله بين شعبه مثل ضرورة الماء للأرض الزراعيّة. وشبّهوا الإنسان الّذي يتّكل على الله بالشجرة المغروسة على نهر: مهما قست ظروف الطبيعة عليها، ترد المياه إلى جذورها بشكل منتظم فتتقوّى وتستمرّ رغم تقلّبات الطقس. لا تخشى مظهر الموت في الشتاء لأنّ حياتها في الجذور العميقة لا يطالها الشتاء، ولا تخشى جفاف الصيف لأنّها تحيا من ماء حيّ
كذلك تكلّم الأنبياء عن حضور الله في الهيكل: هذا المكان المقدّس يعطي الحياة حتّى في الظروف الصعبة. في ظلّ القدير أمان. ومع ذلك، فالله لا يسكن في بيت من صنع الأيدي. المكان المحسوس علامة على المكان غير المحسوس، حيث "أبوكم الّذي يرى في الخفية" يعطي الحياة لكلّ إنسان. إنّ إهمال حضور الله يقود إلى الجفاف، إلى اليباس. هذا ما يقوله الأنبياء حين يحذّرون من أنّ الله سيهجر الهيكل إن لم يرجع المؤمنون إليه بكلّ قلوبهم

في صلاتنا أعاني أحيانًا من الجفاف والصعوبة. قد يكون هذا الجفاف جفاف الصيف، أي جفافًا ضروريًّا لنموّي. بهذه الحالة أعرف أنّي أستقي في جذوري وإن كنتُ لا أشعر دائمًا بالارتواء. ماذا أفعل إذًا؟ أكمل في طريقي... بدل أن تكون صلاتي صلاة الارتواء تكون صلاتي عطشًا ونموًّا في الرغبة. أزداد اكتشافًا لاحتياجي العميق لله

ولكن قد يكون جفافي متأتّيًا من إهمالي: باب قلبي مفتوح على كلّ التأثيرات، أفكاري تأخذني في كلّ الاتّجاهات ولا تجد فيّ أيّة مقاومة، أقوم بالصلاة أحيانًا ثمّ أتركها وكأنّ المكان المقدّس في قلبي لم يعد مقدّسًا. وكأنّ الله هجر الهيكل. في هذه الحالة أحتاج إلى التوبة. حين أتنبّه لحالتي أذهب إلى أمام الله وأطلب منه المغفرة. من المفيد أن ألجأ إلى سرّ التوبة في الاعتراف. ولكن في كلّ الأحوال أنتظر الله أن يملأني من حضوره من جديد

حزقيال النبيّ شرح تاريخ الشعب العبرانيّ (كيف تشرّد ونُفي وتهدّم هيكله، ثمّ كيف أنّه سيعود ويحيا) عن طريق الكلام على خروج الله من الهيكل ثمّ عودته إليه. وبعد أن وصف الهيكل ودخول الله إليه، يتكلّم عن عين ماء في الهيكل تخرج من جنبه الشرقيّ وتصير جدول ماء ثمّ تصير نهر مياه غزيرة تعطي الحياة لكلّ ما تطاله. إليكم النصّ
ورَجَعَ بي إِلى مَدخَلِ البَيت، فإذا بِمِياهٍ تَخرُجُ مِن تَحتِ البَيتِ نَحوَ الشَّرْق، لأَنَّ وَجهَ البَيتِ نَحوَ الشَّرق، والمِياهَ تَنزِل مِن تَحتُ مِن جانِبِ البَيتِ الأَيمَنِ عن جَنوبِ المَذبَح. 2 وخَرَجَ بي مِن طَريقِ بابِ الشَّمال، ودارَ بي في الطَّريقِ الخارِجِيِّ إِلى البابِ الخارِجِيِّ المُتَّجِهِ نَحوَ الشَّرْق، فإِذا بِالمِياهِ تَجْري مِنَ الجانِب الأَيمَن. 3 ولَمَّا خَرَجَ الرَّجُلُ نَحوَ الشَّرْق، كانَ بِيَدِه حَبْل، فقاسَ أَلفَ ذِراعٍ وعَبَرَ بيَ المِياه، فوَصَلَتِ المِياهُ إِلى الكَعبَين. 4 ثُمَّ قاسَ ألفًا وعَبَرَ بيَ المِياه، فوَصَلَتِ المِياهُ إِلى الرّكبَتَين. ثُمَّ قاسَ أَلفًا وعَبَرَ بي، فوَصَلَتِ المِياهُ إِلى الوَسَط. 5 ثُمَّ قاسَ أَلفًا فإِذا بِنَهرٍ لم أَقدِرْ على عُبورِه، لأَنَّ المِياهَ صارَت طاغِيَة، وكانَت مِياهَ سِباحَةٍ ونَهرًا لا يُعبَر 6 فقالَ لي: أَرَأَيتَ يا ابنَ الإنْسان؟ . وذَهَبَ بي ورَجَعَ إِلى شاطِئ النَّهر. 7 ولَمَّا رَجَعتُ، إِذا على شاطِئ النَّهرِ أَشْجاٌر كَثيرةٌ جِدًّا مِن هُنا ومِن هُناك. 8 فقال لي: إِنَّ هذه المِياهَ تَخرُجُ نَحوَ المِنطَقَةِ الشَّرقِيَّة، وتَنزِلُ إِلى العَرَبَة وتتَجِهُ إِلى البَحْر. وحين تَنصَبُّ المِياهُ في البَحرِ تُصبِحُ مِياهُه طَيِّبَة. 9 وكُلّ نَفْسٍ حيَةٍ تَدِبُّ حَيثُ يَبلُغُ مَجْرى النَّهرِ تَحْيا، ويَكونُ السَّمَكُ كَثيرًا جِدًّا، لأَنَّ هذه المِياهَ تَبلُغ إِلى هُناكَ وتُصبحُ طَيِّبَة، فكُلُّ ما يَبلُغ إِلَيه النَّهرُ يَحْيا. 10 ويَقِفُ على الشَّاطِئ الصَّيَّادون مِن عَينَ جَدْيَ إِلى عَينَ عَجَلائيم، فيَكونُ مَنشرًا لِلشِّباك، ويَكون سَمَكُه على أَصْنافِه كسَمَكِ البَحرِ العَظيم كَثيرًا جدًّا. 11 أَمَّا مُستَنقَعاتُه وبِرَكُه فلا تصبح طَيِّبَة،َ بل تُحفَظُ للملْح. 12وعلى النَّهرِ على شاطِئِه أن هُنا ومِن هُناكَ يَنبُتُ كُلُّ شجَرٍ يُؤكَل، ولا يَذبُلُ وَرَقُه ولا يَنقَطِع ثَمَرُه، بل كُلَّ شَهرٍ يُؤتى بَواكير، لأَنَّ مِياهَه تَخرُج مِنَ المَقدِس، فيَكونُ ثَمَرُه لِلطَّعامِ ووَرَقه لِلعِلاج


نشيد جديد



لَقَّنَني نشيدًا جديدًا، نشيدَ تَهليلِ إلهِنا (مزمور 40: 4) ء

كثيرًا ما ترد عبارة "النشيد الجديد" في سفر المزامير وفي الكتاب المقدّس. لهذا التعبير معنى عميق. يرتبط النشيد في الكتاب المقدّس بالانتصار الّذي يقوم به الله من أجلنا. في الفصل 15 من سفر الخروج مثلاً نسمع نشيد الانتصار بعد عبور العبرانيّين في البحر الأحمر. وحين يقول صاحب المزامير "سأنشد نشيدًا جديدًا" يقصد أنّ الله يتدخّل اليوم في حياته هو، أنّ الله يأتي بانتصار جديد

ولكنّ النشيد القديم، في سفر الخروج، لم يكن نشيدًا كاملاً، فالعبرانيّون رأوا جثث الّذين كانوا يلاحقونهم. هذا الانتصار لم يكن انتصارًا كاملاً. هو يعد بانتصار على الموت، يعد بنشيد جديد

في سفر الرؤيا (الفصل 14) نجد النشيد النهائيّ
1 ورَأَيتُ حَمَلاً واقِفًا على جَبَلِ صِهْيون ومعَه مائَةٌ وأَربَعَةٌ وأَربَعونَ أَلفًا كُتِبَ على جِباهِهِمِ اسمُه واسمُ أَبيه,2 وسَمِعتُ صَوتًا مِنَ السَّماءٍ كَخريرِ مِياهٍ غَزيرَةٍ وكدَوِيِّ رَعدٍ قاصِف. وكانَ الصَّوتُ الَّذي سَمِعتُه أَشبَهَ بِالصَّوتِ الَّذي يُخرِجُه العازِفونَ بِالكِنَّاراتِ في عَزفِهم بِكِنَّاراتِهم، 3 وكانوا يُرَتِّلونَ نَشيدًا جَديدًا أَمامَ العَرشِ وأَمامَ الأَحْياءِ الأَربَعَةِ والشُّيوخ. ولَم يَستَطِعْ أَحَدٌ أَن يَتَعَلَّمَ النَّشيدَ إِلاَّ المائَةُ والأَربَعَةُ والأَربَعونَ أَلفًا الَّذينَ افتُدوا مِنَ الأَرض

هذا اكتمال انتصار الله يحتفل به البشر من خلال نشيد جديد يهتفون به

ونحن الآن بين النشيدين، كيف نتعلّم أن ننشد لله نشيدًا جديدًا؟ كيف ينتظم فينا شيئًا فشيئًا النشيد الكامل؟ باختصار: كيف نتعلّم الصلاة؟

كلّ منّا يملك مفتاحًا لهذا السؤال. لأنّنا نختبر الله شخصيًّا. كنّا قد سمعنا عنه سمع الأذن، أمّا الآن فعيوننا قد نظرته (كما قال أيّوب في السفر الّذي يحمل اسمه، الفصل 42، الآية 5). عن طريق التأمّل أكتشف أنّ القصّة الّتي يرويها الكتاب الكتاب المقدّس هي قصّتي أنا أيضًا. أنّ حياتي تحمل علامات حضور الله والله يقودها إلى الحياة الأبديّة. وهكذا تصير حياتي نشيدًا جديدًا، علامة على حبّ الله

لكن كثيرًا ما تظهر في حياتي علامات مناقضة لحبّ الله. كثيرًا ما أرى حياتي نقيضًا لنشيد الانتصار. أرى فيها تكذيبًا لوعود الله. أو ربّما أرى فيها عداوة لله ورفضًا له وغضبًا وملامة. ذلك لأنّنا لم نبلغ بعد نشيد الرؤيا، النشيد النهائيّ. القدّيس بولس يقولها بطريقة جميلة في الرسالة إلى أهل روما الفصل الثامن (سأورد النصّ كاملاً): إنّ الخليقة تئنّ كما من آلام المخاض بانتظار تجلّي أبناء الله (أي نحن) ونحن أيضًا نئنّ منتظرين افتداء أجسادنا لأنّنا نرى أنّنا لم نصل إلى اكتمال صورة الله فينا. وبما أنّنا لا نعرف الصلاة كما يجب، يهبّ الروح لنجدة ضعفنا ويئنّ فينا أنّات لا توصف. فها نحن أمام أنين الخليقة وأمام أنيننا الخاصّ وأمام أنين الروح فينا

من هو الحكيم الّذي يربط بين هذا الأنين والنشيد الجديد؟ أليس حقًّا أنّ النشيد الجديد ينتظم في داخل هذه الأنّات؟ من هو الحكيم الّذي يرى في آلام العالم وأنينه وجع المخاض، أي وجع الولادة، ولادة الملكوت؟ من درّب سمعه يسمع في أنّات العالم أنين الروح وفي أنين الروح باكورة النشيد الجديد. يسمّي بولس هذا الموقف الرجاء. الرجاء هو أن أنشد اليوم نشيدي بانتظار اكتماله في ملكوت السماوات، هو أن أسمع اليوم في ألمي وآلام العالم وعدًا بولادة جديدة، بسماء جديدة وأرض جديدة كما يقول سفر الرؤيا

روما 8: 18-28
وأَرى أَنَّ آلامَ الزَّمَنِ الحاضِرِ لا تُعادِلُ المَجدَ الَّذي سيَتَجَلَّى فينا. 19فالخَليقةُ تَنتَظِرُ بِفارِغِ الصَّبْرِ تَجَلِّيَ أَبناءِ اللّه. 20فقد أُخضِعَت لِلباطِل، لا طَوْعًا مِنها، بل بِسُلطانِ الَّذي أَخضَعَها، ومع ذلك لم تَقطَعِ الرَّجاء, 21 لأَنَّها هي أَيضاً ستُحَرَّرُ مِن عُبودِيَّةِ الفَسادِ لِتُشاركَ أَبناءَ اللهِ في حُرِّيَّتِهم ومَجْدِهم. 22 فإِنَّنا نَعلَمُ أَنَّ الخَليقةَ جَمْعاءَ تَئِنُّ إِلى اليَومِ مِن آلامِ المَخاض, 23 ولَيسَت وَحْدَها, بل نَحنُ الَّذينَ لَنا باكورةُ الرُّوحِ نَئِنُّ في البَاطِن مُنتظِرينَ التَّبَنِّي, أَيِ افتِداءَ أَجسادِنا, 24 لأَنَّنا في الرَّجاءِ نِلْنا الخَلاص, فإِذا شُوهِدَ ما يُرجى لم يَكُن رَجاء, وما يُشاهِدُه المَرءُ فَكيفَ يَرجوه أَيضاً؟ 25 ولكِن إِذا كُنَّا نَرْجو ما لا نُشاهِدُه فبِالثَّباتِ نَنتَظِرُه. 26 وكَذلِكَ فإِنَّ الرُّوحَ أَيضاً يَأتي لِنَجدَةِ ضُعْفِنا لأَنَّنا لا نُحسِنُ الصَّلاةَ كما يَجب, ولكِنَّ الرُّوحَ نَفسَه يَشفَعُ لَنا بأَنَّاتٍ لا تُوصَف. 27 والَّذي يَختَبِرُ القُلوب يَعلَمُ ما هو نُزوعُ الرُّوح فإِنَّهُ يَشفَعُ لِلقِدِّيسينَ بما يُوافِقُ مَشيئَةَ الله. 28 وإِنَّنا نَعلَمُ أَنَّ جَميعَ الأشياءِ تَعمَلُ لِخَيْرِ الَّذينَ يُحِبُّونَ الله

٢٠‏/٣‏/٢٠٠٧

من له أذنان سامعتان فليسمع



كلماتنا... جعلها الله مسكنًا لكلمته. لذلك ينبّه الكتاب المقدّس على أهمّيّة اللسان وما نقوله، وعلى أهمّيّة الإصغاء وما نسمعه. لأنّ الكلمة تبني وتهدم. من يريد أن يتعلّم الصلاة يتعلّم الإصغاء، ويتعلّم الكلام. كما تنبّهنا في السابق إلى النظر وصلّينا من خلال ما نراه، نتنبّه اليوم إلى الإصغاء والكلام، إلى الكلمات في حربها ضدّ التفاهة. أحاول اليوم أن أسمع كلمة الله الّتي تسكن في كلام البشر. أتنبّه إلى الكلمات التي تبني: كلمات الصداقة، كلمات التشجيع، كلمات التعليم، كلمات التأنيب. أتنبّه إلى الكلمات التي تهدم: كلمات اللوم، كلمات الغضب، كلمات الحقد. أتنبّه إلى كلماتي: كيف تخدم الحقيقة؟ كيف تتعرّض لتجربة الكذب؟ كيف تتعرّض لتجربة التفاهة؟ لا ألوم نفسي ولا ألوم غيري، بل أكتفي بالتنبّه. أحاول أن أجد في الكلمات المختلفة بحثًا عن الكلمة الحقيقيّة، وكأنّ الإنسان من خلال الكلمات الكثيرة يبحث عن كلمة تعزّيه، تقوّيه، تثبّته... في الكلمات البشريّة بحث عن كلمة الله

في ما يلي بعض نصوص الكتاب المقدّس الّتي تخصّ موضوعنا

-----------------------------

أَيُّها العِطاشُ جَميعاً هَلُمُّوا إِلى المِياه والَّذينَ لا فِضَّةَ لَهم هَلُمُّوا آشتَروا وكُلوا هَلُمُّوا آشتَروا بِغيرِ فِضَّةٍ ولا ثَمَن خَمْراً ولَبَناً حَليباً 2 لِمَاذا تَزِنونَ فِضَّةً لِما لَيسَ بِخُبْز وتَتعَبونَ بما لاشِبَعَ فيه؟ إسمَعوا لي سَماعاً وكُلوا الطَّيِّب ولتتَلَذَّذْ بِالدَّسَمِ نُفوسُكم. 3 أَميلوا آذانَكم وهَلُمُّوا إِلَيَّ إِسمَعوا فتَحْيا نفوسُكم فإِنِّي أُعاهِدُكم عَهداً أَبَدِيّاً على الخَيراتِ الَّتي وُعِدَ بِها داوُد. 4 هاءَنَذا جَعَلتُه لِلشُّعوبِ شاهِداً لِلشُّعوبِ قائِداً وآمِراً. 5 ها إِنَّكَ تَدْعو أُمَّةً لم تَكُنْ تَعرِفُها وإلَيكَ تَسْعى أُمَّةٌ لم تَكُنْ تَعرِفُكَ بِسَبَبِ الرَّبِّ إِلهِك وقُدُّوسِ إسْرائيلَ الَّذي مَجَّدَكَ. 6 إِلتَمِسوا الرَّبَّ ما دامَ يوجَد أُدْعوه ما دامَ قَريباً. 7 لِيَترُكِ الشِّرِّيرُ طَريقَه والأَثيمُ أَفْكارَه ولْيَرجِعْ إِلى الرَّبِّ فيَرحَمَه وإِلى إِلهِنا فإِنَّه يُكثِرُ العَفْوَ 8 فإِنَّ أَفكاري لَيسَت أَفْكارَكم ولا طرقُكم طُرُقي، يَقولُ الرَّبّ. 9 كما تَعْلو السَّمواتُ عنِ الأَرض كذلك طُرُقي تَعْلو عن طُرُقِكم وأَفْكاري عن أَفْكارِكم 10 لِأَنَّه كما يَنزِلُ المَطَرُ والثَّلجُ مِنَ السَّماء ولا يَرجِعُ إِلى هُناك دونَ أَن يُروِيَ الأَرض ويَجعَلَها تُنتِجُ وتُنبِت لِتُؤتِيَ الزَّارعَ زَرعاً والآكِلَ طَعاماً 11 فكذلك تَكونُ كَلِمَتي الَّتي تَخرُجُ مِن فمي: لا تَرجِعُ إِلَيَّ فارِغة بل تُتِمُّ ما شِئتُ وتَنجَحُ فيما أَرسَلْتُها لَه

أشعيا 55: 1-11

-----------------------------

إِنَّ الكَلامَ بِالقُرْبِ مِنكَ، في فَمِكَ وفي قَلبِكَ. وهذا الكَلامُ هو كَلامُ الإِيمانِ الَّذي نُبَشِّرُ بِه.9 فإذا شَهِدتَ بِفَمِكَ أَنَّ يسوعَ رَبّ، وآمَنتَ بِقَلبِكَ أَنَّ اللّهَ أَقامَه مِن بَينِ الأَموات، نِلتَ الخَلاص. 10فالإِيمانُ بِالقَلبِ يُؤَدِّي إِلى البِرّ، والشَّهادةُ بِالفمِ تُؤَدِّي إِلى الخَلاص، 11 فَقَد وَرَدَ في الكِتاب: مَن آمَنَ بِه لا يُخْزى. 12فَلا فَرْقَ بَينَ اليَهودِيِّ واليُونانِيّ، فالرَّبُّ رَبُّهم جَميعًا يَجودُ على جَميعِ الَّذينَ يَدعونَه. 13 فكُلُّ مَن يَدْعو بِاسمِ الرَّبِّ يَنالُ الخَلاص. 14كَيفَ يَدْعونَ مَن لم يُؤمِنوا بِه؟ وكَيفَ يُؤمِنونَ بِمَن لم يَسمَعوه؟ وكَيفَ يَسْمَعونَه مِن غَير ِمُبَشِّر؟ 15وكَيفَ يُبَشِّرونَ إِن لم يُرسَلوا؟ وقَد وَرَدَ في الكِتاب: ما أَحسَنَ أَقدامَ الَّذينَ يُبَشِّرون! 16 ولكِنَّهُم لم يُذعِنوا كُلُّهم لِلبِشارة، فقَد قالَ أَشَعْيا: يا رَبّ، مَن الَّذي آمَنَ بما سَمِعَ مِنَّا؟ 17 فالإِيمانُ إِذًا مِنَ السَّماع، والسَّماعُ يَكونُ سَماعَ كَلاَمٍ على المسيح

روما 10

-----------------------------

لا يَكثُرَنَّ فيكُم يا إِخوَتي عَدَدُ المُعَلِّمين. فأَنتُم تَعلَمونَ أَنَّنا سَنَلْقى في ذلك أَشَدَّ دَينونة. 2 وما أَكثرَ ما نَزِلُّ نحنُ جميعًا. وإِذا كانَ أَحَدٌ لا يَزِلُّ في كَلامِه، فهو إِنْسانٌ كامِلِ قادِرٌ على إِلجامِ جَميعِ جَسَدِه.3 فحينَ نَضَعُ اللِّجامَ في أَفواهِ الخَيلِ لِتَخضَعَ لَنا، نَقودُ بِه جِسمَها كُلَّه.4 وانظُروا أَيضًا إِلى السُّفُن، فإِنَّها على ضَخامَتِها وشِدَّةِ الرِّياحِ الَّتي تَدَفعُها تَقودُها دَفَّةٌ صَغيرةٌ إِلى حَيثُ يَشاءُ الرُّبَّان.5 وهكذا اللِّسان، فإِنَّه عُضوٌ صَغير ومِن شَأنِه أَن يُفاخِرَ بِالأَشياءِ العَظيمَة. أُنظُروا ما أَصغَرَ النَّارَ الَّتي تُحرِقُ غابَةً كَبيرة!6 واللِّسانُ نارٌ أَيضًا وعالَمُ الإِثْم. اللِّسانُ بَينَ أَعضائِنا يُدنِّسُ الجِسمَ كُلَّه ويُحرِقُ الطَّبيعَةَ في سَيرِها ويَحتَرِقُ هو بِنارِ جَهَنَّم.7 تُقهَرُ الوُحوشُ والطُّيور والزَّحَّافاتُ والحَيَواناتُ البَحرِيَّةُ على اختِلافِ أَجناسِها والنَّوعُ الإِنْسانيُّ يَقهَرُها 8 وأَمَّا اللِّسانُ فلا يَستَطيعُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ أَن يَقهَرَه. إِنَّه بَلِيَّةٌ لا تُضبَط، مِلُؤه سَمٌّ قاتِل،9 بِه نبُارِكُ الرَّبَّ الاَب وبِه نَلعَنُ النَّاسَ المَخلوقينَ على صُورَةِ الله.10 مِن فَمٍ واحِدٍ تَخرُجُ البَرَكَةُ واللَّعنَة. فيَجِبُ يا إِخوَتي أَلاَّ يَكونَ الأَمْرُ كذلِكَ. 11 أَيَفيضُ اليَنبوعُ بِالعَذْبِ والمُرِّ مِن مَجرً ى واحِد؟2 أَم يُمكِنُ يا إِخوَتي أَن تُثمِرَ التِّينَةُ زَيتونًا أَوِ الكَرمَةُ تِينًا؟ إِنَّ اليَنبوعَ المالِحَ لا يُخرِجُ الماءَ العَذْب. 13 أَفيكُم أَحَدٌ ذو حِكمَةٍ ودِرايَة؟ فَليُظهِرْ بِحُسنِ سِيرتِه أَنَّ أَعمالَه تُصنَعُ بِوَداعَةٍ تأتي مِنَ الحِكمَة 14 أَمَّا إِذا كانَ في قُلوبِكم مَرارةُ الحَسَدِ و المُنازعة، فلا تَفتَخِروا ولا تَكذِبوا على الحقّ.15 فمِثلُ هذه الحِكمَةِ لا تَنزِلُ مِن عَلُ، وإِنَّما هي حِكمَةٌ دُنيَوِيَّة بَشَرِيَّةٌ شَيْطانِيَّة. 16 فحَيثُما يَكُنِ الحَسَدُ والمُنازعة، يَكُنِ الاِضْطِرابُ ومُختَلِفُ أَعمالِ السُّوء. 17 وأَمَّا الحِكمَةُ الَّتي تَنزِلُ مِن عَلُ فهيَ طاهِرةٌ أَوَّلاً، ثُمَّ مُسالِمَةٌ حليمةٌ سَمْحَة مِلؤُها رَحمَةٌ وثِمارٌ صالِحة، لا مُحاباةَ فيها ولا رِياء. 18 ثَمَرَةُ البِرِّ تُزرَعُ في السَّلامِ لِلَّذينَ يَعمَلونَ لِلسَّلام

رسالة يعقوب، الفصل 3

-----------------------------

وعادَ إِلى التَّعليمِ بِجانِبِ البَحْر، فازدَحَمَ علَيه جَمعٌ كثيرٌ جِدّاً، حَتَّى إِنَّه رَكِبَ سَفينَةً في البَحرِ وجَلَسَ فيها، والجَمعُ كُلُّه قائِمٌ في البَرِّ على ساحِلِ البَحْر.2فعَلَّمَهم بِالأَمثالِ أَشْياءَ كثيرة. وقالَ لَهم في تَعليمِه:3 إِسمَعوا ! هُوَذا الزَّارعُ خَرَجَ لِيَزرَع.4وبَينما هو يَزرَع، وَقَعَ بَعضُ الحَبِّ على جانِبِ الطَّريق، فجاءَتِ الطُّيورُ فأَكَلَتْه.5ووَقَعَ بَعضُه الآخَرُ على أَرضٍ حَجِرَةٍ لم يَكُنْ فيها تُرابٌ كثير، فنَبَتَ مِن وَقتِهِ لأَنَّ تُرابَهُ لم يَكُنْ عَميقاً.6فلَمَّا أَشرَقَتِ الشَّمسُ احتَرَقَ، ولم يَكُنْ له أَصْلٌ فَيِبس.7 ووَقَعَ بَعضُه الآخَر في الشَّوك، فارتَفَعَ الشَّوكُ وخَنَقَهُ فلَم يُثمِرْ.8ووَقَعَتِ الحَبَّاتُ الأُخْرى على الأَرضِ الطَّيِّبَة، فارتَفَعَت ونَمَت وأَثمَرَت، بَعضُها ثلاثين، وبَعضُها سِتِّين، وبَعضُها مِائة. 9وقال: مَن كانَ له أُذُنانِ تَسْمعان فَلْيَسمَعْ !ء
مرقس 4: 1-9

كلمات


كلماتنا معرّضة بشكل خاصّ للتفاهة. حين تفقد الكلمات القدرة على التواصل، حين تفقد معناها، تصير كالملح الفاسد: لا يمكن الاستفادة منها بأيّ طريقة أخرى. مثلاً حين نستخدم كلمة بساطة لكي نوفّر على أنفسنا عناء التفكير يضيع معنى البساطة الأصيل، وهو أن تُبسَط الأمور فلا تختفي فيها أبعادٌ تحبّ الخفاء لأنّها غير قويمة. مثلاً حين أتكلّم عن حقوق الإنسان لا حبًّا بالإنسان (وهو الهدف البسيط، أي القويم) بل طمعًا بمنصب أو بشعبيّة أو بغير ذلك أفقد البساطة. كلّ مرّة أخفي فيها نيّتي الحقيقيّة عن غيري أو عن ذاتي، تفقد كلماتي بساطتها، أي أنّي أتكلّم بهدفين اثنين، لا بهدف واحد: الهدف المعلن، والهدف الخفيّ، بل حتّى بهدف ثالث هو إبقاء الهدف الخفيّ خفيًّا. البساطة ليست هروبًا من واجب التفكير العميق والمتطلّب. لكنّها وقعت فريسة التفاهة فصارت البساطة تسطيحًا. التسطيح هو تجاهل الأبعاد المتشابكة والمعقّدة الموجودة في عالمنا
عبارة أخرى معرّضة للتفاهة هي عبارة "صلاة عفويّة". العفويّ هو غير المنمّق، الخارج من القلب. شيئًا فشيئًا صار العفويّ نقيضًا لكلّ ما يستلزم تحضيرًا وعناية. صارت الصلاة العفويّة هي الصلاة غير المتطلّبة، المرتجلة. العفويّ غير المرتجل. إذا أردت أن أصلّي من قلبي، عليّ أن أعطي قلبي فرصة الكلام. وهذا يتطلّب وقتًا وتحضيرًا واهتمامًا. نحن نصل إلى الصلاة العفويّة بعد جهد. كلّ ما نسمّيه طرقًا في الصلاة ما هي إلاّ وسائل لتحضير القلب لكي يصلّي عفويًّا. أمّا الصلوات المرتجلة فكثيرًا ما تتوجّه إلى البشر بدلاًمن أن تتوجّه إلى الله
التفاهة كانت نصيب عبارة "الطفولة الروحيّة" أيضًا. كيف أنضج إن كنت أسعى إلى تقليد الطفل؟ أن أقبل ملكوت الله مثل الطفل يعني أن أقبله بدون أن أسجنه في أفكاري المسبقة. يعني أن أدع الله يحرّك عاداتي المتأصّلة لأرجع كالطفل لم تتأصّل فيه بعد عادات العالم. أمّا أن أرفض النموّ بحجّة الطفولة الروحيّة فهذا تسطيح لا يُطاق لعبارة عميقة.
وكذلك عبارة "الاتّكال على الله". الاتّكال الحقيقيّ على الله قمّة الشجاعة لأنّه يفتح لي طرقًا حيث الخوف والحسابات الضيّقة تشلّني وتمنعني من الحياة. أن يصير الاتّكال اتّكاليّةً وكسلاً هو من صنع روح التفاهة. المتّكل على الله إنسان مسؤول لا يخاف مسؤوليّاته

----------------------

قال أحدهم: اتّكل على الله كما لو كان كلّ شيء يأتي منك لا من الله، واعمل كلّ شيء كما لو كان كلّ شيء يعتمد على الله لا عليك
أراد بعضهم التصحيح: اتّكل على الله كما لو كان كلّ شيء يأتي من الله لا منك، واعمل كلّ شيء كما لو كان كلّ شيء يعتمد عليك لا على الله
ولكنّهم أخفقوا. لأنّ موقفهم ظاهريًّا سليم ولكنّه يخفي انفصامًا عميقًا بيني وبين الله. يخفي انفصامًا في داخلي بين العمل والاتّكال. لم يفهموا أنّي لو عملتُ الأشياء على أنّها تأتي منّي لخضع عملي لمعايير البشر الضيّقة، ولو اتّكلتُ على الله كما لو كان كلّ شيء يأتي منه لتحوّل اتّكالي اتّكاليّة
لكي نرى الحكمة في القول الأصليّ يمكنني أن نفسّره هكذا: ء
اتّكل على الله كما لو أنّ الله نفسه يتّكل عليك
اعمل كلّ شيء كما لو أنّ الله نفسه يعمل من خلالك

١٩‏/٣‏/٢٠٠٧

نجّنا اللهمّ من التفاهة


ء"قد أخرجتنا من عدم الوجود إلى الوجود". هذه العبارة ترد على الأقلّ في ليترجيّة القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم، وغايتها حمد الله الخالق الّذي أوجدنا. قد يبدو غريبًا الكلام عن "خروج" من عدم الوجود إلى الوجود. هنا تلميح واضح إلى "خروج" الشعب العبرانيّ من أرض العبوديّة ودخوله في وجود جديد، الوجود من أجل الله. وقد رأينا أنّ صورة الله الخالق في أذهاننا تعاني من تشويه كبير لو نسينا أن الخلق "دعوة إلى الوجود"، دعوة لا تزال أساسيّة في حياتي، دعوة يمكنني اليوم أن أتعلّم كيف أسمعها.
وما هو عدم الوجود الّذي أنا مدعوّ للخروج منه الآن. أقترح عليكم اسمًا لعدم الوجود هذا: سنسمّيه التفاهة

-------------------------

أليست التفاهة تهدّد حياتنا كلّ يوم؟ أليست التفاهة علّة العصر؟ ألا نغرق في التفاهة؟ يكفي أن ترى عاملاً لا يعمل لأنّه لا يرى معنى لعمله، أو طالبًا لا يطلب العلم لأنّه لا يهتمّ، أو مسؤولاً لا يرضى بأن يسأله أحد لأنّ لا جواب لديه
التفاهة هي أن تقوم بشيء ما لأنّ الكلّ يقومون به، أو أن تأخذ موقفًا ما لأنّك تريد أن تأخذ موقفًا، مهما كان
التفاهة هي أن تقتل الوقت لأنّك لا تعرف كيف تسكنه، كيف تتذوّقه.
التفاهة هي أن تصير القيم سلعًا نساوم عليها بحسب الكسب الممكن
التفاهة هي أن يصير كلّ ما هو متطلّبٌ غير جدير بالتعب، وكلّ ما يستلزم الصبر غير جدير بالانتظار
ومن يجعل من حياته تافهة كيف يحبّها؟ اللهمّ نجّنا من التفاهة، نجّنا من التفاهة

-------------------------

إلى الآن قرّرنا أن نتعلّم الصلاة بالنظر إلى يسوع: النظر إليه يدعونا إلى نفض غبار التفاهة عنّا والمسير على طريقه. اليوم نبدأ أن نتعلّم الصلاة بالإصغاء إلى تعليمه. كلام يسوع يخرج من التفاهة كما أخرج موسى الشعب العبرانيّ من أرض العبوديّة. "طوبى"، "طوبى"، "طوبى"... حين أسمع التطويبات (متّى 5: 1-12، راجع تأمّل اليوم) أريد أن يكون الكلام عنّي أنا. أريد أن تكون الطوبى لي. ما الّذي أنا مستعدّ للتخلّي عنه في سبيل الطوبى؟ هنا بدأت مسيرتنا من التفاهة إلى التسبيح، فلنكمل الإصغاء إلى المسيح لكي نكمل المسيرة

-------------------------

أودّ أن أختم بتأمّل للأب بدرو أروبه، رئيس الرهبانيّة اليسوعيّة السابق

ما من شيء أكثر عملية من إيجاد اللـه، أي الوقوع في الحب بشكل مطلق ونهائي. فما تغرم به وما يلتقط خيالك سيؤثّر على كلّ شيء. سيقرّر ما الذي يجعلك تقوم من فراشك في الصباح، وما تفعله في أمسياتك، وما تفعله في عطلة نهاية الأسبوع وسيحدّد ما تطالعه وما تعرفه وما الذي يفطر قلبك أو يغمرك بدهشة الفرح والامتنان. اترك نفسك تقع في الحب، وابق هناك، ودع ذلك يقرّر كلّ شيء
الأب بيدرو أروبه اليسوعي ، (1907-1991)الرئيس الأعلى في الرهبانيّة اليسوعيّة بين 1961 و1984

Nothing is more practical than finding God, than falling in love in a quite absolute, final way. What you are in love with, what seizes your imagination, will affect everything. It will decide what will get you out of bed in the morning, what you will do with your evening, how you spend your weekends, what you read, whom you know, what breaks your heart, and what amazes you with joy and gratitude. Fall in love, stay in love, and it will decide everything.

١٨‏/٣‏/٢٠٠٧

التسبيح يجدر بالمستقيمين

تأمّل يوم الأحد 18/3/2007 ء

المزمور 33
هَلَلوا لِلرَّبً أيّها الأَبْرار فإِنَّ التَّسبيحَ يَجدُرُ بِالمُستَقيمين
إِحمَدوا الرَّبَّ بِالكِنَّارة واْعزِفوا له على عودٍ عُشارِيَ الأَوتار
أنشِدوا لَه نَشيدًا جَديدًا أَحسِنوا العَزفَ مع الهُتاف
فإِنَّ كلِمةَ الرَّبً مُستَقيمة وجَميعَ صُنعِه أمانة
يُحِبّ البِرَّ والحَق ومِن رَحمَةِ الرَّبَ اْمتَلأتِ الأَرض
بِكَلِمَةِ الرَّبِّ صُنِعَتِ السَّمَوات وبِروحِ فَمِه صُنعِ كلّ جَيشِها
يَجمعُ مِياهَ البِحارِ وكأنّها سَدّ ويَجعَلُ الغِمارَ في أحْواض
فلتخشَ الرَّبَّ الأرضي كفها ولْيَهَبْه جَميعُ سُكَّانِ الدّنْيا
إِنَّه قالَ فكان وأَمَرَ فوجِد
الرَّبّ يُحبِطُ مَساعِيَ الأُمَم ويُبطِلُ أَفكارَ الشُّعوب
أمَّا مَساعي الرَّبَ فلِلأبَدِ قائِمة وأفْكارُ قَلبِه مدى الأجيالِ باقِيَة
طوبى لِلأمَّةِ التَّي كانَ لَها الرَّبّ إِلهًا وللشَّعبِ الَّذي اْختارَه لَه ميراثًا
الرَّبُّ مِنَ السَّمَواتِ نَظَر فرأَى جَميعَ بَني البَشَر
مِن مَقَرِّ سُكناه راقَبَ سُكَّان الأرضِ أجمعين
هو وَحدَهُ جابِلُ قُلوبِهم ومُطَّلِعٌ على جَميعِ أَعمْالِهم
لا ينجو المَلِكُ بِجيشه العَديد ولا يُنقَذُ الجَبَّارُ بِبَأسِهِ الشَّديد
الفَرسُ باطلٌ للنَّجاة وما بِقُوَّته العَظيمة خَلاص
عَينُ الرَّبِّ على مَن يَتَّقُونه على مَن يَرجونَ رَحمتهِ
لِيُنقذَ مِنَ المَوتِ نُفوسهم وفي الجوعِ يُحييهم
تَنتظرُ الرَّبَّ نُفُوسنا فَهو نُصرتَنُا وتُرسُنا
بِه تَفرحُ قُلوبنا وعلى اْسمهِ القُدُّوسِ تَوكلَّنا
لِتَكُنْ عَلينَا يا ربُّ رَحمَتكَ بِحسبِ رَجائِنا لَكَ

-----------------

سأشرح لاحقًا عدّة طرق لصلاة المزامير على موقع نار ونور... ولكن يمكننا هنا أن نطبّق هذه الطريقة البسيطة: أقرأ المزمور آية آية وأردّد كلماته كمن يمضغها. أردّدها بفمي أوّلاً ثمّ في قلبي. لا أنتقل من آية إلى أخرى إن أحسستُ أنّ الآية الّتي أقرأها تجذبني. بل أبقى عليها. قد أجد فائدة إن فكّرتُ كيف تصير هذه الكلمات كلماتي: إمّا بأن أجد في حياتي أسبابًا لكي أقولها، إمّا بأن أستخدم كلمات أخرى مكانها. قد تقودني هذه الطريقة إلى مناجاة، أي إلى كلام من القلب إلى القلب. من المفيد أن أحفظ آية أم اثنتين أردّدهما خلال النهار.

١٧‏/٣‏/٢٠٠٧

فيَرجِعونَ ليَجلِسوا في ظِلِّي


فيَرجِعونَ ليَجلِسوا في ظِلِّي (هوشع 14: 8) ء

-------------------

في الأسبوع الأوّل من مسيرتنا تعلّمنا أنّ إطار الصلاة هو صراع. صراع الرغبة في وجه العقبات، مقاومة روحيّة لقوى الظلمة الّتي تجرّدنا من إنسانيّتنا، صراع ضدّ كذبة تجعل علاقتنا بالله مشوبة الحذر بدل الثقة، بالخوف بدل الإيمان... صراع على صورة الله وعلى صورة الإنسان
في هذا الأسبوع تعلّمنا أنّ الصلاة نظرة: نظرتنا إلى الله ونظرة الله إلينا، نظرة نلقيها على يسوع الّذي يصارع من أجلنا، يسوع الّذي هو الهيكل الجديد، هو صلاتنا. وتعلّمنا أيضًا أنّ الصلاة مكان، "ظلّ الله" الّذي فيه نجلس، مكان إنطلاقًا منه تصير حياتنا كلّها رسالة، دعوة من الله إلى العمل معه، إلى الصراع إلى جانبه
مكانٌ لا تطاله خطيئتنا، لذلك نقدر منه أن نفحص أنفسنا وقلوبنا. يمكننا أن نفسد الكثير بخطايانا الكثيرة، ولكنّنا لا نبطل حبّ الله لنا. أن أحضر إلى الله كما أنا، أن أناديه "من الأعماق"، أن أستدعي الروح الخالق ليرفّ على فوضى قلبي، يجعل وعد الله بالغفران حقيقة. ولكن يبقى هذا كلامًا جميلاً إن بقيتُ على مستوى الأفكار ورفضتُ مجابهة الواقع. الأفكار الجميلة تخدّر ولا تشفي. لهذا يجب أن أصلّي، لا أن أتكلّم عن الصلاة

-----------------------

لكي أدخل في الواقع، يمكنني أن أقوم بتمرين نظري ليصير صلاة. أحاول في هذه الفترة أن أرى حولي كيف أنّ كلّ شيء يصرخ إلى الله. كيف أنّ صعوبات البشر فيها شوق إلى الملكوت. كيف أنّ أفراح البشر فيها رجاء وانتظار للسماء. كيف أنّ الخلافات بين البشر هي صراع أعمى بين رغبات لو استنارت لصارت صراعًا مقدّسًا وعملاً نافعًا للآخرين. قد أبكي على طاقات مهدورة، مواهب مدفونة، أحلام ضائعة. مثل سفر الجامعة: أرى الهباء والسراب الّذي وصلنا إليه. والمقابل، قد أفرح لسعادة جارتي ولنجاح أخي ولولادة طفل وللقاء صديقة... وفي كلّ هذا أجتهد أن أرى الله يبني ملكوته، أرى كلّ هذا صرخة إلى الله: "ليتك تشقّ السماوات وتنزل" (أشعيا 63: 19)، صلاة خفيّة، وأجعلها صلاتي: ليأتِ ملكوتك

-------------------

قصّة الحيّة النحاسيّة في سفر العدد 21: 4-9

فنَفَدَ صَبرُ الشَّعبِ في الطَّريق.
5 وتَكَلَّمَ الشَّعبُ على اللهِ وعلىِ موسى وقالوا: لِماذا أَصعَدتَنا مِن مِصرَ لِنَموتَ في البَرِّيَّة؟ فإنَّه لَيسَ لَنا خُبزٌ ولا ماءٌ ، وقد سَئِمَت نُفوسُنا هَذا الطَّعامَ الزَّهيد6 فأَرسَلَ الرَّب على الشَّعبِ الحَيَّاتِ اللاَّذعة ، فلَدَغَتِ الشَّعب وماتَ قَومٌ كَثيرونَ من إِسْرائيل. 7 فأَقبَلَ الشَّعبُ على موسى وقالوا: قد خَطِئنا، إِذ تَكَلَّمْنا على الرَّبَ وعلَيكَ، فصلِّ إِلى الرَّبَّ فيُزيلَ عَنَّا الحَيَّات . فصِّلَى موسى لأَجلِ الشَّعْب. 8 فقال الرَّبّ لِموسى: اِصنَعْ لَكَ حَيَّةً لاذِعَةً واجعَلْها على سارِية، فكُلّ لَديغٍ يَنظر إِلَيها يَحْيا 9 فصَنَعَ موسى حيَةً مِن نُحاس وجَعَلَها على سارِيَة. فكانَ أَيُّ إِنْسانٍ لَدَغَته حَيَّةٌ ونَظَرَ إِلى الحّيَّةِ الْنّحاسِيَّةِ يَحيا

سنتكلّم لاحقًا عن معنى أن "يرسل الله الحيّات" وكأنّه يريد الموت بدل الحياة. يهمّنا هنا أنّ الابتعاد عن الله يعرّض الإنسان للموت. والله يجعل الخلاص في النظر. في إنجيل يوحنّا يعطي يسوع المعنى الكامل لهذا المشهد: ء

وكما رَفَعَ مُوسى الحَيَّةَ في البَرِّيَّة فكذلِكَ يَجِبُ أَن يُرفَعَ ابنُ الإِنسان 15لِتَكونَ بهِ الحَياةُ الأَبديَّةُ لِكُلِّ مَن يُؤمِن
(إنجيل يوحنّا 3: 14-15)
بالخطيئة جرحتنا الحيّة القديمة، الكذبة الّتي تضع الحذر بيننا وبين إلهنا. من ينظر إلى المصلوب يحيا، لأنّه الردّ على الكذبة. المصلوب يقول بدون كلمات: ء
هكذا أحبّ الله العالم حتّى أنّه جاد بابنه الوحيد لكي لا يهلك كلّ من آمن به (يوحنّا 3: 16)، ء
يقول: من بذل ابنه من أجلنا كيف لا يهبنا معه كلّ شيء؟ (روما 8: 32)، ء
يقول: "كلّ ما هو لي هو لك" (لوقا 15: 31) ء
-------------------

ملاحظة مهمّة: أخي القارئ، لا تحتاج إلى أن تقرأ كلّ ما أكتب. فما هنا هو كلمات فحسب. لقاء الله أعظم من كلمات البشر. فخذ من هنا ما يساعدك وأهمل ما يزيد عن حاجتك. فغذاء النفس لا يأتي من المعلومات بل من الاختبار
---------------------

من لديه الوقت يمكنه أن يقرأ أشعيا 59: فيه وصف لعالمنا ووصف لموقف الله منه. ومن المفيد قراءة مقطع من الرسالة إلى أفسس. سأضع النصّين هنا لن أراد

اشعيا
يَدُ الرَّبِّ لا تَقصُرُ عنِ الخَلاص وأُذُنُه لا تَثقُلُ عنِ السَّماع 2 لكِنَّ آثامَكم فَرَّقَت بَينَكم وبَينَ إِلهِكم وخَطاياكم حَجَبَت وَجهَه عنكم فلا يَسمعَ 3 لِأَنَّ أَكُفَّكم تَلَطَّخَت بِالدَّم وأَصابعَكم بِالإِثْم وشِفاهَكم نَطَقَت بِالكَذِب وأَلسِنَتَكم تمتَمت بِالإثْم. 4 لَيْسَ مِن مُدَّع بِالبِرّ ولا مُحاكِمٍ بِالصِّدْق. يَتَّكِلونَ على الخَواءِ ويَنطِقونَ بِالباطِل يَحبَلونَ بِالظُّلمِ ويَلِدونَ الإِثْم. 5 يَنقُفونَ بَيضَ الحَيَّات ويَنسِجونَ خيوطَ العَنْكَبوت. وبَيضُهم مَن أَكَلَ مِنه يَموت وما كُسِرَ مِنه يَنشَقُّ عن أَفْعى. 6 خيوطُهم لا تَصيرُ ثَوباً ولا يَكتَسونَ بِأَعْمالِهم لِأَنَّ أَعْمالَهم أَعْمالُ إِثْم وفِعْلَ العُنْفِ في أَكُفِّهم. 7 أَرجُلُهم تَسْعى إِلى الشَّرّ وتُسارعُ إِلى سَفكِ الدَّمِ البَريء. أَفْكارُهم أَفْكارُ الإِثْم وفي مَسالِكِهم دَمارٌ وتَحْطيم. 8 لم يَعرِفوا طَريقَ السَّلام ولا حَقَّ في سُبُلِهم. قد جَعَلوا دُروبَهم مُعوَجَّة كُلُّ من سَلَكها لا يَعرِفُ السَّلام. 9 لِذلك آبتَعَدَ الحَقُّ عَنَّا ولم يُدركْنا البِرّ. نَتَرَقَّبُ النُّورَ فإِذا بِالظَّلام والضِّياءَ فإذا بِنا سائِرون في الدَّيجور. 10 نَتَجَسَّسُ الحائِطَ كالعُمْيان وكمَن لاعَينَي لَه نَتَجَسَّس. نَعثُرُ في الظَّهيرَةِ كما في العَتَمَة ونَحنُ بَينَ الأَصِحَّاءِ كأَنَّنا أَمْوات. 11 نَزأَرُ كُلُّنا كالأَدْباب ونَنوحُ كالحَمام. نَتَرَقَّبُ الحَقَّ ولا يَكون والخَلاصَ وقدِ آبتَعَدَ عنَّا 12 لِأَنَّ مَعاصِيَنا قد كَثُرَت تُجاهَكَ وخَطايانا شاهِدَةٌ علَينا لِأَنَّ مَعاصِيَنا معَنا وآثامَنا قد عَرَفْناها: 13 العِصْيانَ والكَذِبَ على الرَّبّ والِآرتدادَ مِن وَراءِ إِلهِنا والنُّطقَ بالظّلمِ والتَّمَرُّد والحَبَلَ بكَلامِ الكَذِب والتَّمتَمَةَ به فيَ القَلْب. 14 فآرتَدَّ الحُكمُ إِلى الوَراء ووَقَفَ البِرُّ بَعيداً لِأَنَّ الحَقَّ عَثَرَ في السَّاحة والِآستِقامَةَ لم تَقدِرْ على الدُّخول 15 وصارَ الحَقُّ مَفْقوداً والمُعرِضُ عنِ الشَّرِّ مَسْلوباً
وقد رأَى الرَّبُّ فساءَ في عَينَيه أَن لا يَكونَ حُكمٌ هُناكَ 16 ورأى أَنَّه لَيسَ هُناكَ إِنْسان ودَهِشَ أَن لا يَتَدَخَّلَ أَحَد فذِراعُه هي أَنجَدَته وبِرُّه هو أَيَّدَه. 17 فلَبِسَ البِرَّ كدِرْعٍ وخوذَةَ الخَلاصِ على رَأسِه وأرتَدَى ثِيابَ الِآنتِقامِ لِباساً وتَجَلبَبَ بِالغَيرَةِ رِداءً. 18 على حَسَبِ الأَعمَالِ هكذا يَجْزي: فالغَضَبُ بخُصومِه والِآنتِقامُ لِأَعْدائِه ويَجْزي الجُزُرَ الِانتِقام. 19 فيَخشَونَ مِنَ المَغرِبِ آسمَ الرَّبّ ومِن مَشرِقِ الشَّمسِ مَجدَه فإِنَّه يَأتي كنهْرٍ مُنحَصِر تَدفَعُه ريحُ الرَّبّ. 20 ويَأتي الفادي إِلى صِهْيون وإلى الرَّاجِعينَ عنِ المَعصِيَة مِن يَعْقوب يَقولُ الرَّبّ. 21 وأَنا فهذا عَهْدي معَهم، قالَ الرَّبّ: روحي الَّذي علَيكَ وكلامِيَ الَّذي جَعَلتُه في فَمِكَ لا يَزولُ مِن فَمِكَ، ولامِن فَمِ نَسلِكَ، ولا مِن فَمِ نَسْلِ نَسلِكَ، قالَ الرَّبّ، مِنَ الآنَ ولِلأَبَد

أفسس
وبَعدُ فتَقوَّوا في الرَّبِّ وفي قُدرَتِه العَزيزَة 11تَسلَّحوا بِسِلاحِ الله لِتَستَطيعوا مُقاوَمةَ مَكايدِ إِبليس، 12فلَيسَ صِراعُنا مع اللَّحمَ والدَّم، بل مع أَصحابِ الرِّئاسةِ والسُّلْطانِ ووُلاةِ هذا العالَم، عالَمِ الظُّلُمات، والأَرواحِ الخَبيثةِ في السَّمَوات.13 فخُذوا سِلاحَ الله لِتَستَطيعوا أَن تُقاوِموا في يَومِ الشَّرّ وتَظَلُّوا قائِمين وقَدِ تَغلَّبتُم على كُلِّ شيَء. 14 فانهَضوا إِذًا وشُدُّوا أَوساطَكم بِالحَقّ والبَسوا دِرْعَ البِرّ 15 وشُدُّوا أَقْدامَكم بالنَّشاطِ لإِعلانِ بِشارةِ السَّلام ، 16واحمِلوا تُرْسَ الإِيمانِ في كُلِّ حال، فبِه تَستَطيعونَ أَن تُخمِدوا جَميعَ سِهامِ الشِّرِّيرِ المُشتَعِلَة. 17واتَّخِذوا لَكم خُوذَةَ الخَلاص وسَيفَ الرُّوح، أَي كَلِمَةَ الله. 18أَقيموا كُلَّ حينٍ أَنواعَ الصَّلاةِ والدُّعاءِ في الرُّوح، و لِذلِكَ تَنبَّهوا وأَحيُوا اللَّيلَ مُواظِبينَ على الدُّعاءِ لِجَميع القِدِّيسين 19ولِي أَيضًا لِيوهَبَ لي أَن أَتَكلَّمَ وأُبَلَّغ بِجُرْأَةٍ سِرَّ البِشارة، 20 وفي سَبيِلها أَنا سَفيرٌ مُقَيِّدٌ بِالسَّلاسِل. عَسى أن أَجرُؤَ على التَّبْشيرِ بِه كما يَجِبُ أَن أَتَكَلَّم

١٦‏/٣‏/٢٠٠٧

يا ربّ قد سبرتني وعرفتني

تأمّل يوم الجمعة 16/3/2007 ء

من المزمور 139
يا رَبِّ قد سَبَرْتَني فَعَرَفْتَني عَرَفْتَ جُلوسي وقِيَامي
فَطِنتَ مِن بَعيدٍ لأفْكاري قَدَّرتَ حَرَكاتي وسَكَناتي
وأَلِفتَ جَميعَ طُرُقي
-
قَبلَ أَن يَكونَ الكَلامُ على لِساني أَنتَ يا رَبُّ عَرَفتَه كُلَّه
مِن وَراءُ ومِن قُدَّامُ طَوَّقتَني وجَعَلتَ علَيَّ يَدَكَ
عِلمٌ عَجيبٌ فَوقَ طاقَتي أَرفَعُ مِن أَن أُدرِكَه
-
أَينَ أَذهَبُ مِن روحِكَ وأَينَ أَهرُبُ مِن وَجهِكَ ؟
إِن صَعِدتُ إِلى السَّماءِ فأَنتَ هُناكَ وإِنِ اْضَّجَعْتُ في مَثْوى الأَمواتِ فأَنتَ حاضِر
إِنِ اْتَّخَذتُ أَجنِحَةَ الفَجْرِ وسَكَنتُ أَقاصِيَ البَحْرِ
فهُناكَ أَيضًا يَدُكَ تَهْديني ويَمينُكَ تُمسِكُني
وإِن قُلتُ: لِتُغَطِّني الظُّلمَة وليَكُنِ اللَّيلُ زُنَّارًا حَولي
فحَتَّى الظُّلمَةُ لَيسَت ظُلمَةً عِندَكَ واللَّيلُ يُضيءُ كالنَّهار
-
أَنتَ الَّذي كَوَّنَ كُليَتَيَّ ونَسَجَني في بَطْنِ أُمِّي
أَحْمَدُكَ لأَنَّكَ أَعجَزتَ فأَدهَشتَ. عَجيبةٌ أَعْمالُكَ
نَفْسي أَنْتَ تَعرِفُها حَقَّ المَعرِفَة لم تَخْفَ عِظامي علَيْكَ
حينَ صُنِعتُ في الخَفاء وطُرِّزتُ في أَسافِلِ الأَرْض
رأَتْني عَيناكَ جَنينًا وفي سِفرِكَ كُتِبَت جَميعُ الأَيَّامِ وكُوِّنَت قَبْلَ أَن توجَد
-
أللَّهُمَّ ما أَصعَبَ أَفكارَكَ علَيَّ وما أَكثَرَ مَجْموعَها!
أَعُدُّها فتَزيدُ على الرِّمال وإِذا اْستَيقَظتُ لا أَزالُ معَكَ
أَللَّهُمَّ اْسبِرْني واْعرِفْ قَلْبي إمتَحِنِّي واْعرِفْ هُمومي
واْنظُرْ هل مِن سَبيلِ سوءٍ فِيَّ واْهدِني سَبيلَ الأَبَد

--------------

قد يولّد فينا هذا المزمور شعورًا مزدوجًا. من جهة نشعر بالخوف: نظرة الله تلاحقني، تفحصني، تفضحني، ومن جهة أخرى نشعر بالراحة: أنا معروف، أنا محبوب. مهما كان شعوري، من المناسب أن أعرّض نفسي لهذا المزمور لكي تتحوّل نظرتي إلى الله من الخوف إلى الثقة

--------------------

الصلاة نظرة متبادلة. الصلاة هي أن أقيم في نظرة من يحبّني. من يحبني يرى فيّ إمكانيّات لا أراها، جمالاً لا أراه. حين أنظر لنفسي بدون نور حبّه لا أرى سوى أسباب للحزن. أو أفضّل أن أجمّل نظرتي فأكذب على نفسي ولا أراها كما هي. أمّا معه، فأستطيع أن أجابه أعماقي. لأنّني أنا الّذي أكتشفها اليوم. أمّا هو فيعرفها منذ زمن بعيد، وقد أحبّ ما رآه

--------------------


من طرق الصلاة البسيطة أن أتأمّل في نظرة الله إلى العالم وإليّ. الله ينظر إلى العالم الّذي خلقه ويحبّه. ينظر إلى آلام البشر فيقرّر أن يجيء إليهم مخلّصًا
أخي، لا تقل: أريد أن أنظر إلى العالم كما ينظر إليه الله. لأنّك تحمّل نفسك ما لا تستطيع حمله. يكفيك أن تتأمّل في نظرة الله

-------------------

قال لي صديق: حين ننظر إلى السماء ماذا نرى؟ حين يقول الإنجيل إنّ يسوع رفع عينيه إلى السماء، أسأل نفسي: هل يرى يسوع ما أنا أراه؟ وأكمل صديقي: حين ينظر يسوع إلى السماء هو أكثر الناس حرّيّة، لأنّه يعلم أنّ لا شيء في العالم يحتويه أو يملكه أو يتسلّط عليه، وحدها نظرة الآب عليه تعرف ماذا ترى وتسمّيه باسمه. وختم صديقي قائلاً: إن أردتَ أن تتبع يسوع، تعلّم حين تنظر إلى السماء أن تصير حرًّا مثله

١٥‏/٣‏/٢٠٠٧

قصّة الهيكل


المزمور 90
السَّاكِنُ في كَنَفِ العَلِيِّ يَبيتُ في ظلِّ القَدير
يَقولُ لِلرَّبِّ: أَنتَ مُعتَصَمي وحِصْني إِلهي الَّذي علَيه أَتوكَّل
هو الَّذي يُنقِذُكَ مِن فَخِّ الصَّيَّاد ومِنَ الوَباءَ الفتَاك
يُظَلَلكَ بِريشِه وتَعتَصِمُ تَحتَ أَجنِحَتِه وحَقُّه يكونُ لَكَ تُرسًا ودِرْعًا

فلا تَخْشى اللَّيلَ وأَهوالَه ولا سَهْمًا في النَّهارِ يَطير
ولا وَباءً في الظَّلامِ يَسْري ولا آفَةً في الظَّهيرةِ تَفتُك

يَسقُطُ عن جانِبِكَ أَلْفٌ وعن يَمينكَ عَشَرَةُ آلاف ولاشَيءٌ يُصيبُكَ
حَسبُكَ أَن تَنظُرَ بِعَينَيكَ فتُعايِنَ جَزاءَ الأَشْرار

لأَنَّكَ قُلتَ: الرَّبُّ مُعتَصَي وجَعَلتَ العَليً لَكَ مَلْجَأً
الشر لا يَنالُكَ ولا تَدْنو الضَّربَةُ مِن خَيمَتِكَ

لأَنَّه أَوصى مَلائِكَتَه بِكَ لِيَحفَظوكَ في جَميعِ طرقِكَ
على أَيديهم يَحمِلونَكَ لئَلاَّ تَصدِمَ بحَجَر رجلَكَ

تطأ الأَسَدَ والأفعى تدوسُ الشبلَ والتنين
أُنجيه لأَنَّه تعَلق بي أَحْميه لأَنَّه عَرَفَ اسْمي

يَدعوني فأُجيبُه أَنَّا معه في الضِّيقِ فأُنقِذُه وأُمَجِّدُه
بِطولِ الأيامِ أُشبِعُه وأُريه خلاصي


---------------

الساكن في ظلّ العليّ... ما معنى أن يسكن الإنسان في ظلّ الله؟ ما معنى أن يقيم الإنسان مع الله؟ تنتهي قصّة الكتاب المقدّس في سفر الرؤيا حيث يرى النبيّ مدينة نازلة من السماء ويسمع صوتُا يقول: هذا مسكن الله مع الإنسان. وحين يتكلّم إنجيل يوحنّا عن تجسّد كلمة الله يقول: صار الكلمة جسدًا وسكن بيننا. وكذلك يعد يسوع في إنجيل يوحنّا أنّ من يسمع كلامه يحبّه الآب ويأتي إليه ويقيم فيه. إقامة متبادلة: الله فيّ وأنا في الله
هذا المكان، هذا المسكن، ليس مكانًا بالمعنى الجسديّ العاديّ. ليس المقصود مكانًا جغرافيًّا أو مسكنًا بنته الأيدي. المقصود حضور متبادل. يقول سفر الرؤيا عن أورشليم الجديدة أنّها مسكن الله مع البشر، ويضيف: هو يكون "الله معهم"، هذا اسم الله في الأبد. أن أقيم في ظلّ الله يعني أنّه حاضر لي وأنا حاضر له

-----------------------


حين أحمل إلى الله صراخي، أو حين أصلّي من أجل أختي وأخي، أحضر أخي وأختي واحتياجات العالم إلى هذا المكان، إلى هذا الحضور المتبادل بيني وبين الله. والله يحضر أيضًا رغبته إلى هذا المكان. هو حاضر مع شوقه إليّ، مع عطشه إلى خلاص العالم، مع اهتمامه بأخوتي وبأخواتي الّذين نسيتهم
هذا المكان المقدّس هو سرّ الحياة المسيحيّة. فيه نجد القوّة لمجابهة العالم وعنفه، فيه نجد القوّة للغفران، فيه نجد طريقًا جديدًا حين تحيط بنا الأحزان، فيه نجد الإيمان والرجاء والمحبّة

----------------------


يسمّي الكتاب المقدّس هذا المكان: السماء. حين نقول أبانا الّذي في السماء، لا نقصد الفضاء. بل نقصد هذا المكان السرّيّ الّذي فيه نلتقي بالله والّذي يعمل في قلوبنا. أحيانًا يتكلّم الكتاب المقدّس عن مسكن الله على أنّه الهيكل. وهذا صحيح. الهيكل هو رمز للمكان الّذي نتكلّم عنه. المؤمن يغار على هيكل الله، لا يرضى بتدنيسه ولا يحبّ قلّة الاحترام الّتي يظهرها بعض الناس فيه. نرى يسوع في الإنجيل يطرد الباعة من الهيكل، وتلاميذه يتذكّرون كلام المزمور: غيرة بيتك أكلتني. المؤمن في أيّامنا يحترم هياكل البشر: الكنائس والمساجد والجوامع لأنّها صورة ناقصة بلا شكّ عن المكان السرّيّ المفتوح لكلّ إنسان يدخل إلى قلبه
وكذلك المصلّي ينتبه إلى مكان صلاته. حتّى المكان المحسوس الملموس، لأنّه صورة عن المكان غير المحسوس. إن كنتُ لا أهتمّ بما أراه كيف أهتمّ بما لا أراه؟

-------------------


قصّة الهيكل
حين صار داود ملكًا على أورشليم سكن في قصره، لكنّه سرعان ما أخذه القلق: فتابوت العهد، العلامة الحسّيّة على حضور الله بين شعبه، يسكن في خيمة، وأمّا هو فيسكن في قصر. فأتاه ردّ الله عن طريق ناتان النبيّ يقول: أأنتَ تبني لي بيتًا؟ أنا الّذي أبني بيتك وأعطيك الحياة! أأسكن في مكان صنعته أيدي البشر؟ أيسعني مكان أرضيّ؟
ولكن بما أنّ الله يعرف ضعف البشر، قال لداود إنّ ابنه سليمان سيبني له هيكلاً، وهذا ما حصل. لكنّ الهيكل الأرضيّ يبقى غير كافٍ. من يريد أن يعبد الله يعبده بالروح والحقّ، والهيكل الّذي بنته أيدي البشر لا يناسب هذه العبادة
في العهد الجديد تغيّر مفهوم الهيكل وعاد إلى معناه الأساسيّ: هيكل لم تبنه أيدي البشر، هو جسد يسوع. في جسد يسوع يسكن الله مع الإنسان. في جسد يسوع، أي الكنيسة، تتمّ شركة القدّيسين، أي يلتقي البشر جميعًا مع الله ويكون الله فيهم وهم في الله، كلّ ما لله هو لهم، وكلّ ما هو لهم هو لله. هذا ما يقوله يسوع في قصّة تطهير الهيكل بحسب يوحنّا، الفصل الثاني

13وكانَ فِصحُ اليَهود قَريباً، فصَعِدَ يسوعُ إِلى أُورَشَليم، 14فوَجَدَ في الهَيكَلِ باعةَ البقَرِ والغَنَمِ والحَمامِ والصَّيارِفَةَ جالِسين. 15فَصَنَعَ مِجلَداً مِن حِبال، وطَرَدَهم جَميعاً مِنَ الهَيكَلِ مع الغَنَمِ والبَقَر، ونَثَرَ دَراهِمَ الصَّيارِفَةِ وقلَبَ طاوِلاتِهم، 16وقالَ لِباعَةِ الحَمام: اِرفَعوا هذا مِن ههُنا، ولا تَجعَلوا مِن بَيتِ أَبي بَيتَ تِجارَة. 17فتَذَكَّرَ تلاميذُه أَنَّه مَكْتوب: الغَيْرَةُ على بَيتِكَ ستَأكُلُني. 18فأجابَه اليَهود: أَيَّ آيةٍ تُرينا حتَّى تَعمَلَ هذه الأَعْمَال ؟ 19أَجابَهم يسوع: اُنقُضوا هذا الهَيكَل أُقِمْهُ في ثَلاثَةِ أَيَّام ! 20فقالَ اليَهود: بُنِيَ هذا الهَيكَلُ في سِتٍّ وأَربَعينَ سَنَة، أوَأَنتَ تُقيمُه في ثَلاَثةِ أيَّام ؟ 21أَمَّا هو فكانَ يَعْني هَيكَلَ جَسَدِه. 22فلمَّا قامَ مِن بَينِ الأَموات، تذكَّرَ تَلاميذُه أَنَّه قالَ ذلك، فآمنوا بِالكِتابِ وبِالكَلِمَةِ الَّتي قالَها يسوع

١٤‏/٣‏/٢٠٠٧

التجارب


ورَجَعَ يسوعُ مِنَ الأُردُنّ، وهو مُمتَلِئٌ مِنَ الرُّوحِ القُدُس، فكانَ يَقودُه الرُّوحُ في البرِّيَّةِ 2أَربَعينَ يوماً، وإِبليسُ يُجَرِّبُه، ولَم يأكُلْ شَيئاً في تِلكَ الأَيَّام. فلَمَّا انقَضَت أَحَسَّ بِالجوع.3فقالَ له إِبليس: إِن كُنتَ ابنَ الله، فَمُر هذا الحَجَرَ أَن يَصيرَ رَغيفاً. 4فأَجابَه يسوع: مَكتوبٌ: لَيَس بِالخُبزِ وَحدَه يَحيا الإِنسان. 5فصَعِدَ بِهِ إِبليس، وأَراهُ جَميعَ مَمالِكِ الأَرضِ في لَحظَةٍ مِنَ الزَّمَن،6وقالَ له: أُوليكَ هذا السُّلطانَ كُلَّه ومَجدَ هذهِ الـمَمالِك، لِأَنَّه سُلِّمَ إِليَّ وأَنا أُولِيه مَن أَشاء.7فَإِن سَجَدتَ لي، يَعودُ إِلَيكَ ذلكَ كُلُّه . 8فَأَجابَه يسوع: مَكتوبٌ: لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسجُد، وإِيَّاه وَحدَه تَعبُد. 9فمَضى بِه إِلى أُورَشَليم، وأَقامَه على شُرفَةِ الـهَيكلِ وقالَ له: إِن كُنتَ ابنَ الله، فأَلْقِ بِنَفْسِكَ مِن ههُنا إِلى الأَسفَل، 10لِأَنَّهُ مَكتوبٌ: يُوصي مَلائِكَتَه بِكَ لِيَحفَظوكَ، 11ومكتوبٌ أَيضاً: على أَيديهِم يَحمِلونَكَ لِئَلاَّ تَصدِمَ بِحَجَرِ رِجلَكَ. 12فأَجابَه يسوع: لقَد قيل: لا تُجَرِّبَنَّ الرَّبَّ إِلـهَكَ. 13فلَمَّا أَنْهى إِبليسُ جمَيعَ مَا عِندَه مِن تَجرِبَة، اِنصَرَفَ عَنه إِلى أَن يَحينَ الوَقْت. ء

---------------------


إن كانت الصلاة انقياد للروح القدس، فها هو الروح يقودنا إلى البرّيّة لكي يجرّبنا إبليس. لا بدّ من مواجهة الذات، لا بدّ من مواجهة قلبنا. يجب أن نتعلّم نبرة صوت الله في قلبنا ولكن أيضًا دمدمة إبليس. مدرسة الصلاة مكانها في القلب. ء

--------------------

تعلّمنا سابقًا كيف نميّز صوت الشرّير من نكهته الخاصّة: اليأس والكبرياء. يريد أن يضع العوائق في طريقنا لكي نصل إلى اليأس، وإذا لم يفلح عن طريق إخافتنا يستخدم طريقًا ملتويًا فيبدأ بما ظاهره لصالحنا لكي يقودنا شيئًا فشيئًا إلى الكبرياء ثمّ إلى اليأس. ء
ذكرنا يومها أنّ من طرقه المعتادة أن يذكّرنا بخطايانا ليقنعنا أنّنا لا نصلح لاتّباع الربّ ولا للصلاة. أو بالعكس أن ينسينا الخطر الّذي في الخطيئة لكي لا نرى تناقضها مع حبّ الله فلا نبلغ إلى الكمال في حبّ الله. ء
من الحكمة أن أقاوم التجربة أوّل ما أشعر بها. لأنّها تكون ضعيفة في البداية، مجرّد فكرة. ولكن إن لم أبعدها من البداية، تأخذ من قلبي قوّة وتقسم إرادتي ويصير من الصعب الانتصار عليها. ء
من الحكمة أيضًا أن أعتصم بالصدق والصراحة: كثيرًا ما أختلق الأسباب لكي "أضطرّ" أن أذهب إلى مكان أعلم أنّه قد يجرّني إلى الخطيئة، ومع أني أعرف أنّه من الحكمة ألاّ أذهب، أجد طريقة لأقنع نفسي أنّه من الواجب أن أذهب لأسباب مختلقة. ء
يكره الشرّير التواضع. لهذا يريدني أن أعيش في عالم وهميّ فيه أنا البطل. ويحاول أن يقنعني أنّني أكثر سعادة لو كنتُ في حالة أخرى. يريدني ألاّ أعيش في واقعي.
ء
وكذلك يريدني أن أقارن نفسي بالآخرين، أن أحبّ أن أمتلك أشياء أكثر لكي أكون أفضل منهم: أن أمتلك المال، أو المواهب، أو السلطة، إلخ... ء

----------------

كيف تعنيني قصّة تجارب يسوع؟ أوّلاً بأن أرى التجارب في حياتي. من المهمّ أن أفهم الطرق الّتي يستدرجني فيها الشرّير إلى الحزن واليأس، أو إلى عدم المبالاة. ء
ولكن قصّة تجارب يسوع تعنيني كذلك لأنّ انتصار الربّ هو انتصار الإنسان على المجرّب. هو انتصاري أنا. قد أخسر عدّة جولات لكنّي بالمسيح منتصر. عليّ أن أتذكّر أنّ الكبرياء الّذي يحاول الشرّير إدخالع إلى قلبي هو كبرياؤه هو، واليأس الّذي يحاول أن يغرقني فيه هو يأسه هو. في كلّ تجربة – إذا نظرنا جيّدًا – نرى خسارة الشرّير وانتصارنا بالربّ يسوع. يكفيني أن أتذكّر أنّ اليأس الّذي يحاول ابتلاعي هو يأس الشرّير نفسه لكي أسخر منه وأعتصم بالله.
ء

١٢‏/٣‏/٢٠٠٧

من الخليقة إلى الخالق



من ضمن ما قلناه إلى الآن فلنحفظ طريقتين سهلتين للصلاة في الأوقات الصعبة: حين أكتشف فوضى حياتي وظلمتها أذكر كيف أنّ روح الله عند بدء الخلق كان يرفّ فوق أرض خاوية خالية، وآخذ الوقت المناسب لكي أستقبل الروح الّذي يرفّ على مصاعبي ليخرج منها طريقًا جديدًا وخلقًا جديدًا. والطريقة الثانية: حين أشعر بحقارتي، بخياناتي، بعدم ثباتي، إلخ. بحيث أنّي لا أستطيع الدخول في الصلاة بسهولة، أستخدم المزمور 130: "من الأعماق..." متذكّرًا أنّ الله يلاقيني في أعماقي ولكي ألاقيه عليّ أن أصغي إلى أعماقي هذه وألاّ أهرب منها مثل السابق


--------------


اليوم نتكلّم عن طريقة ثالثة تصلح لجميع الأوقات وفي كلّ الظروف

بداية فلنتأمّل في هديّة نلناها من شخص عزيز أو أعطيناها لشخص عزيز. قيمة الهديّة أنّها تحمل كلامًا: تقول لمن ينالها "أنا أحبّك" أو "أنا أفكّر بك"، والهديّة حين تُقبل تصير شكرًا وعرفانًا بالجميل.
إذا لم تعد الهديّة إشارة إلى المعطي، خسرت معناها وانغلقت على ذاتها. لم تعد كلامًا، لم تعد علاقة، بل صارت استهلاكًا وتملّكًا.
هذه حالة الخليقة بأجمعها... كما تقول بداية المزمور 19
السَّمَواتُ تُحدِّثُ بِمَجْدِ الله والجَلَدُ يُخبِرُ بِمَا صَنَعَت يَداه. 3 النَّهارُ لِلنَّهارِ يُعلِنُ أَمرَه واللَّيلُ لِلَّيل يُذيعُ خبَرَه. 4 لا حَديثٌ ولا كَلام ولا صَوتٌ يَسمَعُه الأَنام 5 بل في الأرضِ كُلِّها سُطورٌ بارِزة وكَلماتٌ إِلى أَقاصي الدُّنْيا بَيِّنة
-
الخليقة تكلّمنا عن الله كما أيّ هديّة تكلّمنا عن واهبها، ولكنّنا نفقد حاسّة السمع أو ننسى القدرة على القراءة، فتنغلق الخليقة على ذاتها وتصير مادّة استهلاك. لا مكان للعلاقة هنا. والخليقة تفقد ثروتها الحقيقيّة. من الغريب أنّنا إذا ألّهنا الخليقة أفقرناها، وأمّا إذا نظرنا من خلال الخليقة إلى الخالق، وجدنا الخليقة أجمل وأثرى
ما يصحّ في الخليقة عامّة يصحّ في كلّ شيء. الهديّة مكان للعلاقة. الهديّة كلام
وكذلك الطفل بين والديه: هو يحمل حبّهما المتبادل، ورجاءهما وشوقهما. هو مكان للحبّ. طبعًا هو أكثر من ذلك بكثير، هو شخص له كينونته الخاصّة، هو أكثر من الهديّة، ولكنّه يكبر على قدر ما يشعر أنّه يجسّد علاقة

والآن فلنتنبّه: يمكننا في أيّ وقت فراغ، في أيّ وقت انتظار، خلال المشي أو التنقّل بالسيّارة أو بالباصّ أن نرى أنفسنا على أنّنا "مكان" من خلاله يكلّم الله العالم. يمكنني أيضًا أن أرى نفسي كلمة حبّ يتبادلها الآب والابن: الآب يقول للابن أحبّك وبهذه الكلمة يخلقني ويحبّني من أجل ابنه، والابن يقول للآب أحبّك وبهذه الكلمة يخلّصني ويغفر لي ويدعوني لأكون ابنًا مثله. وسواء رأيت نفسي بين الله والعالم أو بين الآب والابن، أفكّر في أنّي أجسّد كلمة حبّ، هذه هي دعوتي، وأنا أرسخ بالحياة كلّما مشيتُ في هذا الاتّجاه

إذا استصعبت هذه الطريقة في البداية، ارجع إلى مثل الطفل أو إلى مثل الهديّة. وإذا لم تستفد منها، اتركها، فما هي إلاّ طريقة

الربّ صخرتي


الرَّبُّ صَخرَتي وحِصْني ومُنقِذي إِلهي الصَّخرُ بِه أَعتَصِم تُرْسي وقُوَّةُ خَلاصي ومَلْجَإي (مزمور 18: 3) ء
سفر المزامير هو مجموعة من الصلوات بل مدرسة صلاة فيها نتعلّم كيف نسلك طريق العلاقة مع الله. وفي سفر المزامير كثيرًا ما ترد عبارة "الربّ صخرتي". أرجو أن تكون خبرة صلاتنا في الأسبوع الماضي قد أظهرت لنا معنى هذا التشبيه. الله صخرة كياننا، من يثبت فيه لا يتزعزع، ومن يؤسّس حياته عليه لا يخاف العواصفهدفنا في الأسبوع الآتي أن نعمّق أساسنا في الله صخرتنا وذلك عن طريق النظر إلى يسوع. يسوع هو صلاتنا. من أراد أن يتعلّم كيف يصلّي فلينظر إلى يسوع. نحن غير ثابتون أمّا هو، الراسخ في الحياة، هو يصارع لأجلنا، يصارع فينا، يصارع معنا لكي ننال البركة الّتي هي فيه، أي أن نرسخ في الله كما في الصخر

--------------

قلّة ثباتنا تؤلمنا... انقسام قلبنا يقلقنا... نشعر أنّنا هباء. نحبّ أن نتكلّم عن الله أكثر ممّا نحبّ أن نكلّمه. نحبّ أفكارنا عنه أكثر ممّا نحبّه. لأنّها تلهينا عن معرفة قلبنا وتخفي عن نظرنا خيانتنا لكنّ الله إله المفاجآت، يلاقينا حيث لم نتوقّعه. حين يسمّي المزمور الله صخرة، أليس ذلك لأنّ صاحب المزمور اختبر انقسامه وقلّة ثباته؟ كلّ التراث الروحيّ المسيحيّ وغير المسيحيّ يرتكز على معرفة الذات، ومعرفة الذات تنشأ من اختبارنا الأليم أنّنا نخون الله بعد أن ظننّا أنّنا أصبحنا مؤمنين حقًّا. اختبار الخيانة هذا يزداد حين نختبر أمانة الله لنا. ولكنّه قد يصير مكان اللقاء مع الله إن حوّلنا اختبارنا هذا إلى صلاة. كلّ شيء يتحوّل إلى صلاة حين نكلّم الله عنه واضعين ثقتنا فيه
تقول القدّيسة تريزيا الطفل يسوع إنّ العصفور الصغير الّذي لا يقدر أن يطير حين تتبلّل جناحاه يحتاج إلى المكوث في أشعة الشمس لكي تجفّ جناحاه. ونحن حين نخطئ نحتاج إلى المكوث أمام الله. ولكنّنا ماذا نفعل؟ نهرب من الصلاة لأنّنا نشعر أنّنا بعيدون عن الله

------------------

الله يعرف قلوبنا من قبل أن يدعونا إليه. قد نتفاجأ حين نكتشف أنّه رغم حبّنا لله نحن قادرون على تركه، أمّا هو الّذي يعرف قلوبنا فلا يتفاجأ. حين دعانا كان يعلم قلّة ثباتنا. الله أعطى وعده لنا بقلب جديد ثابت. هذا الوعد أعطاه لنا ونحن في الأعماق. فإن هربنا من أعماقنا نهرب من الوعد. من أراد أن يصلّي فليسكن في أعماقه: هناك يجد الله. في كلّ مرّة تكون الصلاة صعبة جدًّا، ابدأ بالمزمور 130: ء
مِنَ الأَعْماق وصَرَختُ إِلَيكَ يا رَبّ 2 يا سَيِّدُ اْستَمع صَوتي. لِتَكُنْ أُذُناكَ مُصغِيَتَينِ إِلى صَوتِ تَضَرّعي. 3 إِن كُنتَ يا رَبُّ لِلآثام مُراقِبًا فمَن يَبْقى، يا سَيِّدُ، قائِمًا؟ 4 إِنَّ المَغفِرَةَ عِندَكَ لِكًي تَكونَ المَهابَةُ لَكَ. 5 إِنتَظَرتُ الرَّبَّ، اْنتَظَرَته نَفْسي ورَجَوتُ كَلِمَتَكَ. 6 تَرَقُّبُ نَفْسي لِلرَّبِّ أشدُّ مِن تَرَقُّبِ الرُّقَباءِ لِلصُّبْح. 7 لِيَكُنْ إِسْرائيلُ راجِيًا لِلرَّبِّ أَشَدَّ مِنَ الرُّقَباءِ لِلصّبْح. فإِنَّ عِندَ الرَّبِّ الرَّحمَة وعِندَه وَفرَةَ الفِداء. 8 وهو يَفتَدي إِسْرائيلَ مِن جَميعِ آثامِه

٩‏/٣‏/٢٠٠٧

صراع المغفرة

موضوعا يوم الجمعة ويوم السبت أدناه

تأمّل يوم الأحد 11 / 3 / 2007

تكلّمنا إلى الآن عن صراع الإنسان المصلّي، صراع الرغبة ضدّ العقبات، صراع الإيمان ضدّ الحذر، صراع الثقة بالله في عالم يعادي الله. ولكنّ الصلاة تقودنا إلى حقيقة أعمق وأبعد، إلى مشاهدة صراع الله من أجلنا

الله يصارع في سبيلنا. كلمة "كن" الّتي بها خُلقنا، الّتي هي في صالحنا بلا شروط، تصير في حياتنا كلمة غفران. الغفران خلق من جديد. الغفران ليس تناسيًا، ولا تساهلاً. الغفران ليس إغفالاً للحقيقة. الغفران هو حقيقة الله: الّذي كان منذ البدء كلمة خلق يصير في حياتي كلمة غفران، يصارع كلمات الكذب والموت

يكفي أن نفكّر في اختبارات الغفران الّتي عشناها. الغفران الصحيح، لا التناسي ولا التساهل. ألا نرى الصراع الّذي فيها؟ أن أغفر لأخي يعني أن أفتح لأخي المجال لأن يكون بكامل كرامته بالرغم ممّا فعله ضدّي. يعني ذلك أن أرى في أخي أكثر ممّا بدر منه

أحدهم أساء إليّ. أن أغفر له يعني أن أرى فيه أكثر من مجرّد إنسان مؤذٍ. ولكن نظرتي هذه هي أيضًا تحدّ: أتحدّاه أن يكون أكثر من إنسان مؤذٍ. الغفران ليس حلاوة وطراوة بل تحدّ يدعو الآخر إلى المزيد، يكلّم حرّيّة الآخر. الغفران رهان على أنّ الّذي أساء إليّ قادر على الخير. أن أغفر لشخص ما يتطلّب أن أتصارع مع نفسي: ألاّ أسجن نفسي في موقع الضحيّة، وأن أتصارع معه: ألاّ يسجن نفسه في موقع المذنب

كلمة الخلق صارت إنسانًا لتعطي الغفران: الربّ يصارع كلمات الاتّهام الّتي بها يحاصرنا الشرّير، يتحدّى خوفنا ويدعونا إلى المزيد. الربّ يعلّق مصيره فينا: رهانه كامل

هذا الكلام صعب، من يستطيع أن يتحمّله؟

تعرفون الحقّ والحقّ يحرّركم


تأمّل يوم السبت 10 / 3 / 2007

كان الرهبان قديمًا يعتبرون أنّ فترة التكوين الأساسيّة في الحياة الرهبانيّة التي نسمّيها فترة الابتداء تنتهي حين يكتشف الراهب الشيطان، أي حين يكتشف الراهب حقيقة التجربة والمجرّب
من يدخل في طريق الصلاة يختبر مع الوقت أنّ هناك ما يحاول أن يبعده عن الصلاة
مثلاً نلاحظ أنّ صلاتنا أحيانًا تصير جافّة ومتعبة، أو تملانا الشكوك والقلق، أو نشعر بالحذر من الله والخوف من لقائه... أحيانًا نكتشف في قلبنا ميولاً معاكسة لله ونشعر أنّها قويّة ومتجذّرة فينا حتّى أنّنا لا نقوى عليها. وأحيانًا على العكس تمامًا نطمئنّ للصلاة ونراها دائمًا "ناجحة" وسهلة ولا ننتبه إلى أنّنا بذلك لا نواجه أنفسنا مواجهة حقيقيّة. عرف الآباء الرهبان هذه التجربة منذ البدء حيث يلتهي المصلّي بالصلاة وتصير "أفيونًا" مخدّرًا. يسمّي أحد الرهبان هذا المرض مرض السكّري الروحيّ: تحويل ملح الإنجيل إلى سكّر
ركّز معلّمو الحياة الروحيّة على هذه النقطة: نريد أحيانًا أن نصلّي لأجل المتعة الّتي نجدها في الصلاة، فبدل أن نطلب الله لأجل ذاته، نحن نطلب الله لأجل عطاياه. والمطلوب هو العكس: في العطيّة نرى المعطي ونحبّه لأجل ذاته

--------------

لا يهمّني هنا أن أناقش إن كان الشيطان حقيقة أم وهم. يُقال إنّ إحدى خطط الشيطان هو أن يقنع الناس بعدم وجوده. لكنّي أرى عند الكثيرين تركيزًا على الشيطان وخوفًا منه يجعل الإنسان سجين الخوف ويخدم خطّة الشيطان. لهذا لن أناقش هنا إن كان له وجود فعليّ أم وجود رمزيّ، يكفيني أن أعرف أنّ من يدخل في الصلاة يواجه منطقًا مخادعًا، عقبات داخليّة تحاول ثنيه عن النموّ في معرفة الله
الكتاب المقدّس يتكلّم عن هذا المنطق بكلمات قاسية: يسمّيه المجرّب (لوقا 4)، المتّهم (مثلاً في رؤيا 12)، كذّابًا وأبا الكذب قتّالاً للناس (يوحنّا 8)... في حين أنّ الروح القدس يُسمّى المدافع وروح الحقّ

------------------

يريد الشرّير أن يضع الحذر بين الله والإنسان، حيث يريد الله علاقة إيمان. منذ البدء قال للإنسان: إنّ الله لا يريد أن يعطيك ملء السعادة وهو يغار منك ولا يريدك أن تكون مثله (راجع سفر التكوين الفصل 3: قصّة الحيّة في الجنّة). بهذه الكذبة دخل الحذر إلى قلب الإنسان، فتغيّرت صورة الله في قلبه من المعطي المحبّ الّذي يدعوه إلى الوجود، إلى صورة الإله الغاضب المقاصص الّذي يجب مراضاته. جرحتنا كذبة الشيطان جرحًا عميقًا لا يشفى إلاّ بالإيمان أنّ الله صادق
لكي يردّ على كذبة الشيطان، يقول القدّيس بولس في رسالته إلى أهل روما ما يلي
فماذا نُضيفُ إِلى ذلِك؟ إِذا كانَ اللّهُ معَنا، فمَن يَكونُ علَينا؟ إِنَّ الَّذي لم يَضَنَّ بابْنِه نَفسِه، بل أَسلَمَه إِلى المَوتِ مِن أَجْلِنا جَميعًا، كَيفَ لا يَهَبُ لَنا معَه كُلَّ شَيء؟ فمَن يَتَّهِمُ الَّذينَ اختارَهمُ الله؟ اللهُ هوَ الَّذي يُبَرِّر ! ومَنِ الَّذي يُدين؟ المَسيحُ يسوع الَّذي مات، بل قام، وهو الَّذي عن يَمينِ اللهِ والَّذي يَشفعُ لَنا؟. فمَن يَفصِلُنا عن مَحبَّةِ المسيح؟ أَشِدَّةٌ أَم ضِيقٌ أَمِ اضْطِهادٌ أَم جُوعٌ أَم عُرْيٌ أَم خَطَرٌ أَم سَيْف؟ فقَد وَرَدَ في الكِتاب: إِنَّنا مِن أَجْلِلكَ نُعاني المَوتَ طَوالَ النَّهار ونُعَدُّ غَنَمًا لِلذَّبْح. ولكِنَّنا في ذلِكَ كُلِّه فُزْنا فَوزًا مُبيناً، بِالَّذي أَحَبَّنا. 38 وإِنِّي واثِقٌ بِأَنَّه لا مَوتٌ ولا حَياة، ولا مَلائِكَةٌ ولا أَصحابُ رِئاسة، ولا حاضِرٌ ولا مُستَقبَل، ولا قُوَّاتٌ ، ولا عُلُوٌّ ولا عُمْق، ولا خَليقَةٌ أُخْرى، بِوُسعِها أَن تَفصِلَنا عن مَحبَّةِ اللهِ الَّتي في المَسيحِ يَسوعَ رَبِّنا
وحده صليب يسوع يشفينا من كذبة الشيطان. من ينظر إلى صليب يسوع يرى ماذا فعلت الخطيئة بالإنسان وبالله، ولكنه يرى أيضًا إلى أيّ مدى يذهب الله لكي يخلّصنا ويعطينا كلّ شيء

--------------

بعض القواعد العمليّة في مجابهة الشرّير
يريد الشرّير أن يصل بنا إلى اليأس. لا يكفيه أن يدفعنا إلى الخطيئة. لذلك علينا أن نقاوم الخطيئة طبعًا، ولكن بالأكثر، علينا أن نقاوم اليأس. حين تصل بنا أفكارنا إلى اليأس نعلم أنّ هذه الأفكار مضادّة للحقيقة البسيطة وأنّ الشرّير يستخدمها لزرع الحذر بيننا وبين الله
يدفع بنا الشرّير إلى الكبرياء لأنّ الكبرياء سمته الخاصّة، ولأنّ المتكبّر يريد أن يكون مصدر نفسه ولا يقبل أن يستمدّ وجوده على أنّه هبة من الله، ويريد أن يسيطر على حياته ولا يقبل أن ينالها كما هي
طريقة الشرّير هي الكذب. ليس لديه طريق آخر لأنّه ضعيف لا قوّة له إلاّ الّتي يستمدّها من الإنسان حين يصدّقه الإنسان. فمن أراد مواجهة الشرّير عليه الاعتصام بالحقيقة. الحقّ يحرّرنا يقول الربّ
يقوم الشرّير بكلّ ما يستطيع لمنعنا عن الصلاة. هو لا يقدر على التأثير على مجريات الأحداث لكنّه يكلّمنا في السرّ مثنيًا عزيمتنا أمام الصعاب، محرّكًا فينا جراحنا القديمة، متّهمًا إيّانا بخطايا سابقة، مقنعًا إيّانا أنّ الله لا يصغي إلينا بسبب خطايانا، مثيرًا فينا القلق على مستقبلنا، إلخ. وفي كلّ هذا علينا أن نصمد مصدّقين كلمة الله وناظرين إلى المسيح
سأعطي قواعد إضافيّة في وقت آخر

روح الربّ يرفرف


يبدأ سفر التكوين بالجملة التالية: في البَدءِ خلَقَ اللهُ السَّمَواتِ والأَرض وكانَتِ الأَرضُ خاوِيةً خالِية وعلى وَجهِ الغَمْرِ ظَلام ورُوحُ اللهِ يُرِفُّ على وَجهِ المِياه. هذه أوّل جملة في الكتاب المقدّس. احفظها، لأنّها ستساعدنا على إكمال الطريق. على الأرض الخاوية الخربة، في الظلام، يرفرف الروح الخالق الّذي يصنع كلّ شيء جديدًا الآن كما في البدء. كلّما تعرّفتُ إلى العالم الّذي أعيش فيه، كلّما تعرّفتُ إلى قلبي، أكتشف الفوضى والظلام. ولكن إن أصغيت أكتشف أيضًا روح الله يصنع كلّ شيء جديدًا
قلبًا نقيًّا اخلق في ّ يا الله وروحًا مستقيمًا جدّد في أحشائي
كلّ مرّة أتألّم لهذه الفوضى آخذ بعض الوقت مفكّرًا في بداية سفر التكوين ومسلّمًا فوضى حياتي لله


---------------

إنّ الصورة الّتي نكوّنها عن الله تحدّد لدرجة كبيرة كيفيّة علاقتنا به. إن كنتُ أنظر إلى الله على أنّه الأب الّذي لا يرضيه شيء ممّا أفعله ويرى دائمًا النقص الّذي فيّ، تكون حياتي الروحيّة مبنيّة على الخوف من اللقاء به. إن كنتُ أنظر إليه على أنّه إله أمر واقع، يقرّر في أزليّته ما سأواجه في حياتي، تصير حياتي الروحيّة استرضاء لله لعلّي أشتري رضاه ببعض الأعمال الحسنة فيتمّم لي ما أريده. إن كان الله في نظري صديقًا خفيًّا على طريقة الأطفال، أخبره أحوالي وأحاول أن أنسى وحدتي من خلاله، تصير حياتي الروحيّة طفوليّة تخاف من الفكر النقديّ ومن مواجهة الذات
إنّ الله سرّ لا تحتويه صورة واحدة. لذا لن أتكلّم عن صور خاطئة وصور صالحة. الحياة الروحيّة الصادقة هي الّتي تنمو في معرفة الله عن طريق "توبة مستمرّة"، أي أنّها في الصلاة تفسح المجال لله أن يقول من هو وهي تنمو بمعرفته ومعرفة ذاتها

--------------------

نقول إنّ الله خالق، وحسن ما نقول. فهو خالقنا. لكنّنا أحيانًا نختنق من هذه الكلمة. لأنّ صورتنا عن الخلق مشوّهة. وكأنّ الله الّذي صنعنا حدّد "طريقة الاستعمال" الّتي علينا أن نتبعها، أي شريعته. وكأنّ إرادته في حياتنا قرار أخذه منذ الأزل بدون استشارتنا وعلينا الآن تطبيقها. على سبيل التشبيه فلنفكّر في "المشاريع" الّتي يبنيها الناس لنا: أهلنا لهم مشاريع لحياتنا، أصدقاؤنا يحدّدوننا أحيانًا بفكرة يأخذونها عنّا وينتظرون أن نتصرّف دائمًا بحسب فكرتهم عنّا، إلخ إلخ
وإن كانت مشاريع الناس لنا تقيّدنا فكم بالحريّ مشاريع الخالق؟ وهكذا يتحوّل الله إلى إله أمر واقع، عليّ أن أتصرّف معه بالتي هي أحسن. فيصير قلبي في جهة وإلهي في جهة أخرى. وأنا أرضي إلهي لكي أسمح لنفسي لاحقًا بإرضاء قلبي. وبيننا شجعان يقرّرون ترك الإيمان بالله من أصله، ولا أخفي عليك أخي القارئ أنّهم اختاروا النصيب الأفضل
حين نقول الله خالق، نقول إنّه دعوة إلى الخلق. يقول لي "كن" قبل أن يقول لي "كن هكذا". ليس عند الله مشروع لي، بل أنا مشروعه. حبّه لي يحرّرني من المشاريع الموضوعة عليّ. يحرّرني حتّى من القيود الّتي أضعها أنا نفسي على نفسي. لأنّنا كثيرًا ما نضع لأنفسنا مشاريع انطلاقًا من فكرة عن نفسنا غير سليمة
لمَ يحتجب الله؟ لمَ لا نراه؟ لأنّه لا يفرض نفسه. ليس فيه فرض للنفس. هو أبعد ما يكون عن إله أمر واقع. أريد أن أكتشف إرادته وأن أعمل بها لأنّ إرادته هي أن أكون. ما الّذي يجعلني أكون حقًّا... هذه هي إرادته

--------------

يقول القدّيس إغناطيوس لويولا إنّ الله يتصرّف معنا على عكس الناس، فالناس يبحثون عن نواقصنا ويركّزون عليها، أمّا الله فينظر إلى مواطن القوّة فينا لينمّيها، أمّا ضعفنا فلا يركّز عليه.