٢٠‏/٣‏/٢٠٠٧

كلمات


كلماتنا معرّضة بشكل خاصّ للتفاهة. حين تفقد الكلمات القدرة على التواصل، حين تفقد معناها، تصير كالملح الفاسد: لا يمكن الاستفادة منها بأيّ طريقة أخرى. مثلاً حين نستخدم كلمة بساطة لكي نوفّر على أنفسنا عناء التفكير يضيع معنى البساطة الأصيل، وهو أن تُبسَط الأمور فلا تختفي فيها أبعادٌ تحبّ الخفاء لأنّها غير قويمة. مثلاً حين أتكلّم عن حقوق الإنسان لا حبًّا بالإنسان (وهو الهدف البسيط، أي القويم) بل طمعًا بمنصب أو بشعبيّة أو بغير ذلك أفقد البساطة. كلّ مرّة أخفي فيها نيّتي الحقيقيّة عن غيري أو عن ذاتي، تفقد كلماتي بساطتها، أي أنّي أتكلّم بهدفين اثنين، لا بهدف واحد: الهدف المعلن، والهدف الخفيّ، بل حتّى بهدف ثالث هو إبقاء الهدف الخفيّ خفيًّا. البساطة ليست هروبًا من واجب التفكير العميق والمتطلّب. لكنّها وقعت فريسة التفاهة فصارت البساطة تسطيحًا. التسطيح هو تجاهل الأبعاد المتشابكة والمعقّدة الموجودة في عالمنا
عبارة أخرى معرّضة للتفاهة هي عبارة "صلاة عفويّة". العفويّ هو غير المنمّق، الخارج من القلب. شيئًا فشيئًا صار العفويّ نقيضًا لكلّ ما يستلزم تحضيرًا وعناية. صارت الصلاة العفويّة هي الصلاة غير المتطلّبة، المرتجلة. العفويّ غير المرتجل. إذا أردت أن أصلّي من قلبي، عليّ أن أعطي قلبي فرصة الكلام. وهذا يتطلّب وقتًا وتحضيرًا واهتمامًا. نحن نصل إلى الصلاة العفويّة بعد جهد. كلّ ما نسمّيه طرقًا في الصلاة ما هي إلاّ وسائل لتحضير القلب لكي يصلّي عفويًّا. أمّا الصلوات المرتجلة فكثيرًا ما تتوجّه إلى البشر بدلاًمن أن تتوجّه إلى الله
التفاهة كانت نصيب عبارة "الطفولة الروحيّة" أيضًا. كيف أنضج إن كنت أسعى إلى تقليد الطفل؟ أن أقبل ملكوت الله مثل الطفل يعني أن أقبله بدون أن أسجنه في أفكاري المسبقة. يعني أن أدع الله يحرّك عاداتي المتأصّلة لأرجع كالطفل لم تتأصّل فيه بعد عادات العالم. أمّا أن أرفض النموّ بحجّة الطفولة الروحيّة فهذا تسطيح لا يُطاق لعبارة عميقة.
وكذلك عبارة "الاتّكال على الله". الاتّكال الحقيقيّ على الله قمّة الشجاعة لأنّه يفتح لي طرقًا حيث الخوف والحسابات الضيّقة تشلّني وتمنعني من الحياة. أن يصير الاتّكال اتّكاليّةً وكسلاً هو من صنع روح التفاهة. المتّكل على الله إنسان مسؤول لا يخاف مسؤوليّاته

----------------------

قال أحدهم: اتّكل على الله كما لو كان كلّ شيء يأتي منك لا من الله، واعمل كلّ شيء كما لو كان كلّ شيء يعتمد على الله لا عليك
أراد بعضهم التصحيح: اتّكل على الله كما لو كان كلّ شيء يأتي من الله لا منك، واعمل كلّ شيء كما لو كان كلّ شيء يعتمد عليك لا على الله
ولكنّهم أخفقوا. لأنّ موقفهم ظاهريًّا سليم ولكنّه يخفي انفصامًا عميقًا بيني وبين الله. يخفي انفصامًا في داخلي بين العمل والاتّكال. لم يفهموا أنّي لو عملتُ الأشياء على أنّها تأتي منّي لخضع عملي لمعايير البشر الضيّقة، ولو اتّكلتُ على الله كما لو كان كلّ شيء يأتي منه لتحوّل اتّكالي اتّكاليّة
لكي نرى الحكمة في القول الأصليّ يمكنني أن نفسّره هكذا: ء
اتّكل على الله كما لو أنّ الله نفسه يتّكل عليك
اعمل كلّ شيء كما لو أنّ الله نفسه يعمل من خلالك

ليست هناك تعليقات: