لا نصلّي بحاسّتي النظر والسمع فحسب، بل نصلّي أيضًا بالذوق والشمّ واللمس. الكتاب المقدّس مليء بالتلميحات إلى أنّ اللقاء بالله يأخذ الإنسان بكامله، حتّى إنّ الإنسان بكامله يصير صلاة، مثل يسوع على جبل التجلّي
كلمة الربّ في فمي أشهى من العسل يقول المزمور، وطعامي هو أن أعمل مشيئة أبي، يضيف يسوع. جعل الربّ ذاته غذاء، جسده طعامًا حقًّا، دمه شرابًا حقًّا، لكي يكون حياتنا
أهرقت المرأة الطيب على رأس يسوع، طيّبت جسده سابقًا للدفن، وانتشر عطر الطيب فملأ البيت. قال يسوع معلّقًا: حيثما انتشر الإنجيل يخبرون بما صنعت هذه المرأة. لأنّ الإنجيل ينتشر في العالم مثل العطر في البيت، والقدّيس بولس يحثّنا على أن نكون رائحة المسيح الطيّبة
حسبي أن ألمس ولو طرف ثوبه قالت المرأة المنزوفة. لأنّ كلمة الله سكنت بيننا وأسلمت إلى أيدينا. يقول يوحنّا في رسالته الأولى: ذاك الَّذي كانَ مُنذُ البَدْء ذاك الَّذي سَمِعناه ذاك الَّذي رَأَيناهُ بِعَينَينا ذاكَ الَّذي تَأَمَّلناه ولَمَسَتْه يَدانا نبشّركم به
والآن أذهب بالخيال إلى بيت عنيا، إلى البيت الّذي فيه سكبت المرأة الطيب على يسوع، أرى وأسمع، أتذوّق وأشمّ وألمس. أرى المرأة تكسر قارورة الطيب لئلاّ تستبقي منها لنفسها شيئًا، وأرى تعابير وجهها، لكنّي أرى أيضًا الحبّ في عينيها وأسأل نفسي ماذا ترى هي في يسوع؟ كيف رأت ما لم يره التلاميذ؟ أسمع الكلام الّذي يدور لكنّي أسمع أيضًا النشيد الجديد الّذي يخرج بدون كلمات من أعمال هذه المرأة، أسمع ما تريد أن تقول ولم تقله، أترجمه إلى كلمات لكي يفهم التلاميذ وأنا معهم. أشمّ العطر يغزو البيت ويحيط بي، لكنّي أشمّ أيضًا رائحة المسيح الطيّبة تحيط بي وتنتشر خصوصًا في الأماكن الّتي نكره روائحها لأنّنا لم نتدرّب على أن نشمّ رائحة الحبّ في الأماكن الّتي لا تعرف عطور الأغنياء. أتذوّق هذا المشهد وكأنّي نحلة تستخرج الرحيق من الزهور لتصنع منه عسلاً. أتذوّق مشاعر المرأة، أتذوّق دفاع يسوع عنها. أردّد كلمات في فمي كمن يمضغها، مثلاً هذه الكلمة من سفر نشيد الأناشيد: اسمك طيب مسكوب، أردّد هذه الآية الّتي تختصر موقف المرأة. ثمّ أحاول أن ألمس... أن ألمس الطيب المسكوب كما لمسه يسوع، أن ألمس أيضًا الحقيقة العميقة الّتي يحاول يسوع أن يفهمها تلاميذه. واليوم، في كلّ ما أراه وأسمعه، وأشمّه وأتذوّقه وألمسه أتعلّم أن أكون أكثر حضورًا لسرّ الحبّ الّذي يعمل اليوم في حياتي
يمكنني أن أذهب بالخيال إلى علّيّة الأسرار، حيث يسوع يتناول عشاءه الأخير مع رفاقه، ويغسل أقدامهم، ويعطيهم سرّ الأسرار، سرّ الأفخارستيّا، ويعطيهم وصاياه الأخيرة. ومجدّدًا أرى ما يُرى وأجتهد أن أرى ما لا يُرى، أسمع ما يُقال وأجتهد أن أسمع ما لا يُقال، أشمّ وأتذوّق وألمس ثقل هذه اللحظات الأخيرة وحجم الحبّ الّذي يحمله يسوع في قلبه لكلّ واحد من تلاميذه، وكذلك لكلّ الّذين سيصيرون تلاميذ في الأجيال القادمة. ثمّ أعود بحواسّي، بجسدي، بحضوري، إلى حاضري: أرى ما لا يُرى وأسمع أنين الروح في أنين العالم، وأشمّ وأتذوّق وألمس حجم الحبّ الّذي يحمله يسوع لي ولمن حولي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق